#adsense

المحكمة ليست للثأر.. الكبار لا ينتقمون

حجم الخط

المحكمة ليست للثأر.. الكبار لا ينتقمون

قبل يوم 14 شباط 2005، هل كان يخطر ببال أحد أن جهة أو شخصاً أو دولة تجرؤ على قتل رجل بحجم رفيق الحريري؟، حتى هو نفسه الرئيس الشهيد- ما كان يظن ذلك، وقد قال قبل الجريمة بيومين فقط لصديقه النائب وليد جنبلاط ان ثمنه "غال جداً"، لكنه استدرك في ما يعكس عدم اطمئنانه التام تأمل في عجائب القدر- "أظن انهم إما سيقتلونك أو يقتلوني"، بحسب ما كشف جنبلاط لاحقاً غير مرة وفي شهادته أمام لجنة التحقيق الدولية.

كان في ذهن القَتلة سيناريو يفترض أن ردة فعل ما بعد الاغتيال لن تتعدى خروج سُنّة لبنان (بحسب الافتراض المنطقي لمؤشرات عقلهم الجمعي) لتشييع الرجل إلى مثواه الأخير بأحسن ما يليق به، ويتلون آيات الذكر ويذرفون الدموع، ثم في المساء يعودون إلى بيوتهم وأشغالهم، وبعد أيام قليلة يعود كل شيء كما كان…لكن ما حصل كان النقيض تمامًا. فالتحدي فرض التحدي، وكان أن أطلقت الجريمة حالة من الحزن والغضب وسيلاً من الاتهامات، يوم خرجت بيروت المفجوعة ومعها كل لبنان (أيضاً في إسقاط مدوّ لنظرية استحالة أن يجتمع اللبنانيون على أمر) في حشد مهيب حمل ألف دلالة لوداع رجل بحجم الوطن، بل باني الوطن الحديث، يومها بدا أن كل شيء يدل على أن لبنان لن يتمكن من استعادة شروط عيشه شبه الطبيعي ما لم تنجح لجنة التحقيق في كشف الجناة ومعرفة الحقيقة انصافاً للوطن والمواطنين.. وقد أزف هذا الموعد.

بين الحقيقة والعدالة

لعل من الضروري والمفيد إبقاء عمل المحكمة الدولية التي ستحاكم قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في إطار العدالة المقصودة وفي منأى عن التجاذبات السياسية، وكل محاولة لإعطائها طابعاً غير ذلك إنما تحمل في طياتها إساءة متعمدة الى مكانة الشهادة ومعانيها، بل وتغطية على المجرمين وفعلتهم الشنيعة.

لا يجادل أحد في أن الجريمة – الزلزال في 14 شباط 2005 كانت سياسية بكل المقاييس، ولكن لا يفترض بأي أحد وضعها وما تلاها من انجازات حققتها دماء الشهيد، في الإطار السياسي المحلي الضيق بكل ما فيه من تشرذم وإنقسامات، وألا يتسلق أحد، مهما كان، من خلالها الى غايات ومآرب شتى أبعد ما تكون عن المعاني السامية للاستشهاد من أجل قضية ووطن وشعب.

وإذا كان من حق الجميع، وفي مقدمهم رئيس "تيار المستقبل" الوريث السياسي للرئيس الشهيد النائب سعد الحريري، ألا يدع مناسبة تفوت إلاّ ويطالب بالعدالة لدم والده ومعرفة القتلة ومحاكمتهم، وهذا من أبسط الحقوق بل الواجبات، فإن النائب الحريري نفسه كرر القول أكثر من مرة أن المحكمة ليست للانتقام، وأنه والعائلة أول من سيقبل بأي حكم يصدر عنها مهما كانت نتائجه ومفاعيله.

ولأن المناسبة، مناسبة انطلاق عمل المحكمة الخاصة، تعني الجميع دون استثناء، أو هكذا يُفترض أن تكون، فمن غير الجائز على الاطلاق أن تكون محور اهتمام طرف دون آخر ما دام الجميع أعلنوا يوم الجريمة المشؤومة ادانتهم لها والمطالبة بمعرفة مرتكبها، وبالتالي فان الجميع في لبنان يتحمل إبقاء هذا الأمر في اطاره الوطني الشامل، وهو معنى كلام البطريرك الماروني نصر الله صفير اذ أشار الى أن هدف المحكمة ببساطة "ادانة المجرمين بحق البلد".

أيضاً، وأيضاً لا أحد ينكر أن ثمة اختلافاً داخلياً كبيراً في العناوين والخيارات السياسية عشية استحقاقات كبرى، بل وربما على كل شيء، لكن ذلك لا يعني ولا ينبغي له أن يعني، انسحاب هذا الانقسام على قضية جوهرية بحجم المحكمة الخاصة التي يؤمل أن تتوصل الى معرفة المرتكبين الحقيقيين لكل الجرائم السياسية ومحاكمتهم بعيداً عن الاتهامات المتبادلة بالتسييس أو السعي للتشويش على التحقيق ومحاربة المحكمة الدولية، سواء انتهى التحقيق الى الادعاء على جهات محلية أو اقليمية، فليس من حق أي كان لا استباق نتائج التحقيق من جهة، ولا التعاطي مع المحكمة وفق نوعية قراراتها من جهة أخرى، خصوصاً إذا كان الجميع واثقين بأنفسهم وصادقين في ما يقولون ويقفون على أرضية صلبة.

ومن المفيد والضروري أكثر من اي وقت، أن تكون هذه المناسبة محطة هادئة للتأمل والتذكر ومراجعة المواقف والحسابات، بما يضعها في إطارها الوطني الصرف الذي تستحقه احتراماً ووفاءً لدم الرئيس الشهيد وسائر الشهداء، محطة يستحقها رفيق الحريري من كل أطياف البلد.

بعد المحكمة: تاريخ جديد

صحيح أن المحكمة ستفتتح أعمالها قبل ظهرالأحد المقبل في لاهاي في هولندا، لكن الصواب أن التداعيات والمواكبة وترددات صدى مطرقة قضاتها سيتردد في بيروت، وربما في فضاءات المنطقة كلها، وعليه يجب أن يكون يوم انطلاقتها موعداً مع تشديد التمسك بالوحدة الوطنية على قاعدة أنها ستحمي الجميع، وستؤسس لمرحلة جديدة ركيزتها أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى، وأن المجرمين مهما عتوا وتجبروا وظنوا أن لا حساب، فالعدالة بانتظارهم.

رفيق الحريري لا ينتقم. الكبار لا ينتقمون، هم فوق الانتقام والشماتة والثأر، هكذا يردد لسان حال سعد الحريري، لكن العدالة تفعل، ولربما ستكون المرة الأولى في تاريخ لبنان التي سيحتفل فيها كل من فقد عزيزاً أو كبيراً بواسطة اغتيال جبان، باحقاق العدالة وانزال القصاص، لأن اللبنانيين يدركون في أعماق أنفسهم معنى الاغتيال وأبعاده وقد ذاقوا مرّه تكراراً على مدى ثلاثة عقود.

ولعل أكثر ما سيدركه اللبنانيون في معرفة قَتلة الرئيس الحريري أن من بين الأسباب التي أدت الى اغتياله تعلقه الشغوف بوطنهم، وسعيه الدؤوب لاعادته الى قلب خريطة العالم حضوراً ومشاركة وفاعلية وتأثيراً، كرمز للعيش المشترك والتلاقي والإشعاع، وفي ذلك أسبًاب كانت كافية لكي يتخذ القتلة قرارهم المجنون.

في انطلاق عمل المحكمة الخاصة أن اللبنانيين قاوموا وسيستمرون في المقاومة حتى النهاية، رافضين منطق التخوين والتخويف والترهيب، وفيها أن الخير سينتصر اذ لا يمكن له إلا أن ينتصر، وفيها أيضاً أن مشروع رفيق الحريري لبناء لبنان المستقبل باق ومستمر على الرغم من كل الدماء الزكية والتضحيات التي بذلت وستبذل، وفيها أخيراً أن لبنان بخير وسيبقى بخير ما دام هناك عيش مشترك محترم، وميثاق وطني يجمع، وبلد يستحق التضحية كما فعل الكبار. وقبل كل ذلك وبعده ان "في القصاص حياة لأولي الألباب".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل