المحكمة وتثبيت الاستقلال
بين أشياء كثيرة يعنيها بدء عمل المحكمة الدولية للبنان في غضون أيام، هناك أمر له مكانة خاصة في عقول اللبنانيين وقلوبهم ربما يعوضهم عن بعض الخسارة الكبيرة التي ألحقتها بهم جريمة اغتيال رفيق الحريري، وهي ان مبدأ حكمهم وسوسهم بقوة العسف والبطش الذي عايشوه لعقود، سيكون عرضة للمساءلة والمحاسبة القانونية الدولية، رغم محاولة البعض الفاشلة في أيار (مايو) الماضي لإعادة احيائه من باب الاحتراب الاهلي والطائفي.
فاستقلال لبنان الثاني غير الناجز بعد، وغير الثابت بشكل واضح وأكيد، والذي لا يزال يتعرض لنكسات متباينة الخطورة والمدى، طوراً باسم العروبة والجيرة وروابط التاريخ والجغرافيا والمصالح القومية العليا، وتارة باسم منع الانقسام والتفكك وعودة الاقتتال، يحتاج الى هذه المحكمة ومداولاتها لإظهار ان هذه الشعارات لم تكن يوماً سوى وسيلة للانقضاض على معانيها الحقيقية ومنع هذا البلد من ان يحكم نفسه بنفسه ويتقدم نحو المصالحة الفعلية مع نفسه ومع الآخرين.
فقد أدى اشتداد الانقسام العربي في بداية سبعينات القرن الماضي بسبب التباين في النظرة الى مستقبل المنطقة ووسائل صوغه، وبروز أدوار اقليمية جديدة طموحة، الى ابتكار حرب طائفية فصلت على مقاس اللبنانيين لتنزع عنهم أهلية العيش المشترك والقدرة على حماية ديموقراطيتهم الفتية وحدودهم. وتبين لاحقاً ان الكلام الكبير عن «لبننة» المنطقة كان هدفه فقط ابقاء النار مشتعلة داخل حدود البلد الصغير، اي منعها من الامتداد وليس اطفاؤها، وتوكيل من يشرف على ادارة انهيار مقوماته كوطن وتفكك مكوناته واستسلام رجالاته وتشكيلاته السياسية الى حال من التفتت والشرذمة تحول دون القرار الموحد.
وكانت تكفي شبهة السعي الى اي محاولة، ولو خجولة، لإنقاذ ما تبقى، لجعل هذا السياسي او ذاك عرضة لحملات التشكيك والانتقاص والتخوين، وتحريك الأدوات والأزلام ضده وما يمثل. واختلطت السياسة بالأمن عن سابق تصور وتصميم، حتى أُوكل أمرها الى حملة النياشين من غير قتال، والناشرين عسسهم في كل زاوية، يفتون فيها عن جهل ويقررون عن ضيق أفق، وحتى صار البلد يدار من ثكنة هنا ومركز استطلاع هناك.
الذين خرجوا الى الشوارع بعد الجريمة يعلنون استقلالهم الثاني فعلوا ذلك بعفوية المتطلع الى خلاص لا يطبخ في دهاليز السياسة وتسويات الإقليم وغرف الاستخبارات. قرروا انهم يستحقون العيش في القرن الحادي والعشرين، وفي ظل شرعة حقوق الانسان، بلا خوف ولا زواريب ولا سلاح. خرجوا للمطالبة بأبسط البديهيات في اي دولة، بحق كل مواطن في ان يحلم بمستقبل أفضل وان يخطط لحياة اكثر عدلاً وان يفكر في ابنائه وأحفاده من دون قلق. واليوم تأتي المحكمة لتعطيهم الأمل بأن حلمهم يمكن ان يجد طريقه الى التحقق، رغم ان الطريق صعب وطويل ومليء بالمطبات، لكنهم يستطيعون على الأقل تلمس بداياته.
ماذا تعني العروبة لأي لبناني اذا لم يكن قادراً على الاحساس أولاً بهويته الوطنية؟ ولماذا يُصور له دائما ان هناك تناقضا بينهما، وان من يطلب العيش في ظل دولة القانون انما يتنصل من واجباته القومية؟ اليوم تأتي المحكمة لتفصل بين السياسة والأمن، ولتؤكد ان الاختلاف في التفكير والتباين في الأسلوب والأولويات حق يفترض ان لا يودي بصاحبه الى القتل والاعدام.