الكتلة المستقلة" انطلقت في حزيران لتحسين التمثيل المسيحي
بكركي باركتها ووضعتها في تصرف الرئيس
جنبلاط والحريري رحّبا وتسريبها قَطَع الاتصال بعون
منذ اللحظة التي انتهت فيها اجتماعات الدوحة واسفرت عن اتفاق التهدئة الذي نص على انتخاب الرئيس ميشال سليمان واعتماد قانون 1960 لتجرى الانتخابات على اساسه، بدأت مجموعة من السياسيين عقد لقاءات بعيدة من الاضواء لدرس مفاعيل هذا القانون وتأثيراته على الوضع اللبناني، وتلمس آثاره على الوضع المسيحي.
ضمت المجموعة سياسيين محايدين، معروفين ببعدهم عن الاضواء الاعلامية، وبعدم انتمائهم الى اي فريق سياسي، وتجمعهم علاقة متينة بالصرح البطريركي في بكركي. وهدفت اللقاءات التي انطلقت في اوائل حزيران الى اجراء دراسة تحليلية لقانون الانتخاب الذي اتفق عليه في شيراتون – الدوحة، وتقديم اقتراحات عملية من اجل الحد من السلبيات التي ينتجها هذا القانون على الوضع الداخلي، نظرا الى ثقة هذه المجموعة ان القانون المذكور كان يلائم لبنان، في المرحلة التي كان فيها السوريون يتدخلون في كل شاردة وواردة، ولم يعد صالحا بعد المتغيرات التي حصلت منذ عام 2005. وكان واضحا لهؤلاء ولكثيرين غيرهم، ان هذا القانون لم يعد يلبي طموحات المسيحيين، ولا مطالبهم الدائمة بتحسين التمثيل المسيحي، وخصوصاً ان التقسيمات الانتخابية جعلت الحزب التقدمي الاشتراكي و "تيار المستقبل" قادرين وحدهما ومن دون مشورة أي من حلفائهم المسيحيين، على الاتيان ب17 نائبا مسيحيا في الاقضية التي يشكلون فيها ثقلا انتخابيا.
ولم تغب عن المجتمعين الاعتبارات الاقليمية التي تحيط بلبنان والتي يمكن ان تؤثر على الانتخابات فيه، والاعتبارات الداخلية التي افرزها قيام كتلتين، من فريق 8 آذار بالتحالف مع العماد ميشال عون، ومن 14 آذار.
فلبنان كان يقبل على تحديات اقليمية تبلورت اهميتها اكثر مع حرب غزة التي تزامنت مع تسلم الرئيس الاميركي باراك اوباما مهماته في البيت الابيض، وكذلك مع دخول لبنان مرحلة انتظار نتائج الانتخابات الاسرائيلية وشكل الحكومة الجديدة ونتائج الانتخابات الايرانية. ولان حجم هذه التحديات كبير، لا بد للبنان ان يمرر الانتخابات النيابية بأقل ضرر ممكن من الخسائر.
ورأى المجتمعون في حينه ان نجاح فريق الاكثرية في الحكم يعني مجددا ادخال البلد في مرحلة سبق له ان عاشها، وان هذا الفريق لن يكون قادراً على الحكم في ظل موازين القوى التي تفرضها المعارضة، اضافة الى كم الاخطاء التي سبق للاكثرية ان ارتكبتها. اما نجاح فريق 8 آذار متحالفا مع عون فيعني ان المعارضة ستحكم وحدها من دون الاكثرية التي سبق ان اكدت مرارا انها لن تشارك في الحكم اذا خسرت في الانتخابات. ومفاد هذا الامر ان طائفتين اساسيتين هما السنة والدروز المنضوون تحت زعامتين مركزيتين، لن تشاركا في الحكم، وهذا في ذاته خلل جوهري في الصيغة اللبنانية التي كرسها اتفاق الطائف.
من هنا خلصت هذه الاجتماعات الى طرح فكرة قيام كتلة نيابية مستقلة ومحايدة تكون عنصر تهدئة بين القوتين الرئيسيتين، فلا تتغلّب قوة على اخرى، وحتى لا تتم مجريات تطورات المنطقة على حساب لبنان. وجوهر الفكرة قام على خمسة بنود:
اولاً – ان تتشكل هذه الكتلة من شخصيات لها وزنها السياسي والثقافي وترفع شأن التمثيل المسيحي عبر الاتيان بشخصيات فاعلة، تقدم نموذجا في العمل البرلماني، وحتى يدخل المجلس نواب قادرون مع عدد من النواب ذوي الشأن،على رفع مستوى تمثيل المسيحيين وحضورهم القوي، بعدما رسمت حوله بعد الطائف علامات استفهام. وقد طرحت في حينه امثلة عن شخصيات قادرة على اداء هذا الدور كالوزير طارق متري والوزير السابق شارل رزق والنائب السابق صلاح حنين.
ثانيا تتشكل هذه الكتلة المستقلة من شخصيات مسيحية، نظرا الى الاصطفافات الموجودة اصلا لدى الطوائف الاسلامية. فالسنة والشيعة والدروز غير قادرين على الخروج من بوتقة القيادة المركزية الواحدة لمصلحة التعددية،فيما يتمتع المسيحيون بالقدرة على بلورة هذه الفكرة.
ثالثاً – لم تطرح الفكرة مطلقا لاستفزاز العماد ميشال عون. بل العكس، فقد طرحت لتحسين التمثيل المسيحي وخصوصا في المناطق الخاضعة لفريق 14 آذار. فالقانون الحالي للانتخابات يضع 17 مقعدا تحت عباءة السنة والدروز. فيما تهدف الفكرة الى اقتطاع جزء من هذه المقاعد لتشكيل قوة محايدة من هذه المقاعد يضاف اليها عدد محدد من المقاعد في المناطق التي يتقدم فيها عون شعبيا.
رابعاً – وضع هذه الكتلة اما في تصرف البطريركية المارونية واما في تصرف رئيس الجمهورية لاستكمال الدور التوافقي الذي ناطه به اتفاق الدوحة، والذي اوصله الى بعبدا على الطريقة اللبنانية بحل الخلافات الداخلية توافقياً.
خامسا – لم يكن طرح فكرة الكتلة الوسطية يتيما ومحصورا بتشكيل الكتلة النيابية وحدها، انما عزز بطرح فكرة رديفة لتشكيل حكومة بعد الانتخابات لا يملك فيها احد الثلث المعطل، بل تكون مقسمة على ثلاث قوى، باحتساب 14 للاكثرية و7 لرئيس الجمهورية و9 للمعارضة.
اطلعت المجموعة بكركي على اقتراحاتها، فرحبت بها، واعلنت دعمها التام لها، لكنها ارتأت ان تكون الكتلة المقترحة بتصرف رئيس الجمهورية، الذي يقدر على الاضطلاع بدور الحكم وتأمين التوازن بين المعارضة والاكثرية، ولا يدخل في تنافس معهما.
حافظت المجموعة المعنية على سرية مداولاتها، وبدأت الاتصالات بعيدة من الاضواء لجس نبض المعنيين مباشرة، ولقيت الفكرة تجاوبا من جنيلاط والنائب سعد الحريري اللذين ابديا استعدادا كاملا للمضي بها بعد قراءة معطياتها، ولثقتهم بالقائمين بها. وترك الفريقان الامر للمجموعة لمتابعة الاتصالات بالعماد عون لنيل موافقته عليها.
وصلت الفكرة الى موفدين اميركيين كانوا يترددون آنذاك الى بيروت فرحبوا بها وشجعوا على المضي بها.
لكن الفكرة التي لم تعرف بها في البدء الا حلقة ضيقة من السياسيين والروحيين، تسربت مشوهة لاحقا الى بعض الشخصيات والى الاعلام، وبغير الهدف الذي رسمت من اجله، وبدا كأنها مطروحة لاستهداف فريق لمصلحة فريق آخر. وتسارعت وتيرة الذين تبنوها وسمّوها "الكتلة الوسطية"، فانبرى عون الى رفضها، وأبلغت سوريا رئيس الجمهورية رفضها لها.
اليوم خرجت قصة الكتلة "المستقلة" من الادراج، ولا يزال الذين قاموا بها يأملون في ان يجدوا مخرجا لها، وان بات الامر اصعب، نظرا الى ما دار حول الفكرة من تأويلات ونظريات ومشاريع لم تكن في حسبان أي من الذين اجتمعوا في حزيران الماضي.