انتفاضة الكنيسة: لا صوت يعلو فوق صوت البطريرك
فوجئت جميع الأوساط السياسية اللبنانية، أول من أمس، بموقف المطران بشارة الراعي، في المركز الكاثوليكي للإعلام، الملوّح بالحزم وعدم السكوت عن السلوكيات غير المسؤولة من جانب بعض القوى السياسية والدوائر التي تدور في فلكها في تعاطيها مع رموز الكنيسة عموماً، ومع رأسها البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير خصوصاً. وترتدي مواقف المطران الراعي أهمية كبيرة في ضوء تسلّمه رئاسة اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام المنبثقة من مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، وبكونه أحد أعضاء «اللجنة المشتركة لكنائس لبنان» التي أنجزت قبل أيام «شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان». والجدير ذكره أنّ من المقرر أن يقدم المطران الراعي بنفسه هذه الشرعة في قصر المؤتمرات في ضبية يوم الخميس المقبل بحضور مئات المهتمين بالشأن العام.
لم يعد إشكال فريق الأقلية النيابية مع البطريرك صفير، بل مع الجسم الكنسي الماروني عموماً، وقد تخطاه أيضاً ليطال سائر الأوساط الكنسية المسيحية التي ينسّق معها المطران الراعي في إطار «اللجنة المشتركة لكنائس لبنان». وبحسب مصدر فاعل في هذه اللجنة، «لم يعد من الجائز السكوت عن الإسفاف المتمادي، يريدون أن يمثّلوا المسيحيين والموارنة ويترشحوا باسمهم، ولكن لا يريدون احترام رموزهم والالتزام بالقيم والمبادئ التي تربّوا عليها، والأنظمة التي ترعى شؤون الجماعة الكنسية».
هذا يعني أن حال الاستياء في أوساط الكنيسة قد بلغت حدّاً لا يُطاق. ذلك أن السائد في سلوكيات رجال الكنيسة الابتعاد عن السجالات والمواجهة مع السياسيين وتفادي الظهور بمظهر الفريق أو الطرف الذي له خصوم وحلفاء. فالكنيسة المارونية بالتحديد، بعد تجربة الحروب التي دارت رحاها على أرض لبنان وتخللها نشاط لبعض المسؤولين الكنسيين مستقل عن سلطة بكركي، بسبب من فداحة تداعيات هذه الحروب على المسيحيين، استعادت مع البطريرك صفير تقليداً قديماً، يقضي بأن يكون البطريرك الماروني وحده في الواجهة، على أن يشكّل الأساقفة من حوله الإطار الاستشاري والمعنوي الداعم والمؤازر له. ولعل هذا ما مكّن الكنيسة المارونية من تجاوز مطبات مفصلية خطيرة منذ عام 1986، وبخاصة أيام الهيمنة السورية على لبنان، ومن قام بالدور الأبرز في معركة استعادة السيادة اللبنانية، ابتداءً من نداء المطارنة الأول في أيلول عام 2000.
كما في أيام رئيس الحكومة الانتقالية العماد ميشال عون، كذلك خلال سنوات الهيمنة السورية، وصولاً إلى اليوم، كان ثمة تنوع في آراء المطارنة الموارنة في كيفية التعاطي مع المعطيات والأطراف السياسية النافذة أو المهمّشة. غير أن ذلك لم يعن يوماً أن ثمة صوتاً يعلو صوت البطريرك، كما كانت الحال أيام البطريرك الراحل بولس المعوشي عندما كان المطران يوسف الخوري يوالي نوعاً ما الرئيس فؤاد شهاب والعهد الشهابي. وبغضّ النظر عن الانضباطية الإكليريكية التي تفوق كل انضباطية، لا مصلحة لأي أسقف بأن يخرج على إرادة البطريرك ورأيه، لأنه لا يرغب في إحداث سابقة قد ترتد عليه سلباً إن هو انتُخب في المستقبل بطريركاً.
لقد وقع تحالف الأقلية في الفخ الذي نصبه لهم منافسوهم، فقد نجح هؤلاء في غضون سنتين بأن يقلبوا الصورة رأساً على عقب بالنسبة إلى موقف القوى السياسية من بكركي. فبعدما كان الآخرون هم الخارجين على إرادتها بسيرهم في التحالف الرباعي الذي غطى قانون عام 2000 سنة 2005، أصبحوا اليوم المدافعين عنها، وخصومهم الخوارج والمتطاولين إلى ما سوى ذلك من تعابير. ولعل أبرز دلالة على ذلك إسقاط بعض الصحف الموالية لـ 14 آذار تصريح رئيس حزب التضامن إميل رحمة، متحدثاً باسم وفد اللقاء المسيحي بعد اجتماعه مع البطريرك، وخصوصاً قوله إن كل كلام عن «انحيازه هو غير دقيق، وهذه الصفة لا تلتئم مع سيد الصرح لأن الصرح يحتضن جميع اللبنانيين، البطريرك هو أب للجميع وعلى مسافة واحدة من الجميع». لقد تعلّم رحمة الدرس منذ نحو ثلاثة وعشرين عاماً في أسلوب التعامل مع بكركي، وقد أخذه من الرئيس كميل شمعون، بعدما سمعه ينتقدها إثر حوادث في المنطقة الشرقية.