الحرم.. آخر الدواء لدى الكنيسة
معيب ان يتوجه بعض السياسيين الذين فقدوا نعمة التفكير الصحيح، واضاعوا بوصلة مصلحة الوطن والشعب، بهذا الاسلوب المستنكر لاهلنا في الاغتراب، يأخذون عليهم اصغاءهم الى صوت الضمير والواجب والحس الوطني السليم، وتصميمهم على المجيء الى وطنهم الام لبنان، لممارسة حقوقهم التي كرسها لهم الدستور والقوانين في انتخاب من يرونه مناسبا، ليكون نائبا عنهم يدافع عن حرية لبنان وسيادته واستقلاله وعن حقوق شعبه في الوطن والانتشار.
هؤلاء ذاتهم، الذين سبق لهم وهرولوا من دولة الى دولة، ومن قارة الى قارة، يتزلفون اهلنا المنتشرين في كل صقع، ويطلبون اليهم مد يد العون، والمساعدة المادية، والمعنوية، يعاملونهم اليوم وكأنهم جالية غريبة لا علاقة لها بلبنان وشعبه، بل يشعرونهم بأسلوب خطابهم وكأنهم اقل قيمة حتى من المجنسين الذين نالوا الجنسية اللبنانية عن طريق الغش والتزوير والرشوة، بحيث يفكر الانسان بحزن واسف هل ان الشعور بإمكانية فقد مقعد نيابي، يمكن ان يفقد بعض السياسيين ابسط قواعد التفكير المنطقي السليم.
* * *
اولى القواعد التي تحكم عمل الماكينات الانتخابية في لبنان، قديما وحديثا، هي كيف يمكن تأمين الناخبين يوم الاقتراع، من منازلهم الى مراكز الاقتراع وبالعكس، وكيف يمكن نقل الناخبين الذين يسكنون خارج قراهم وبلداتهم، الى قراهم وبلداتهم لاداء واجبهم الانتخابي واعادتهم الى اماكن سكنهم، وجميع المرشحين من دون استثناء، حتى اولئك الذين يقولون العكس، يرصدون مبالغ طائلة لمهمة النقل هذه، واذكر في هذا الصدد ان بعض المرشحين في الخمسينات والستينات، وربما في ايامنا هذه، كانوا يعمدون احيانا الى استئجار شاحنات لنقل الناخبين في حال تعذر استئجار سيارات وبوسطات.
القصد من التذكير بهذه الحقائق، انما هو للقول بأن نقل المغتربين الراغبين بأداء واجبهم الانتخابي، من اماكن انتشارهم في المغتربات، واعادتهم، بواسطة الطائرات لا يختلف بشيء من حيث المبدأ، عما هو قائم ومعروف، سوى ان تمكين هؤلاء الاهل من المجيء الى وطنهم وديارهم واهلهم وتعويدهم على ممارسة حقوقهم الوطنية، وخصوصا حق الاقتراع، يساعدان بنسبة عالية جدا، على تحقيق الجهود التي تبذلها بعض الهيئات السياسية والدينية، وفي جهد متواضع بعض الذين تعاقبوا على الحكم، من اجل تمتين العلاقة والتواصل والتعاون بين لبنان الام ولبنان المنتشر، علما بأن اللبنانيين المنتشرين هم من كل الطوائف والمذاهب والتيارات والاحزاب، ولكن التخوف من مجيئهم على ما يبدو هو لانهم يملكون ربما رؤية اكثر وضوحا عما يجري في لبنان، بسبب بعدهم عن التأثيرات المباشرة عليهم.
* * *
الموضوع الثاني المعيب، والذي يثير السخط بالاضافة الى الاستنكار هو التطاول «الزقاقي» المبرمج لدى بعض وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، على بكركي وعلى سيدها البطريرك مار نصرالله صفير، وعلى الاساقفة المحترمين، وجرم التطاول هذا لا يحكمه قانون العقوبات الكنسي وحسب، بل ايضا القانون المدني الذي يعاقب على جرائم القدح والذم والكذب والحض على الفتنة والتحريض على المقامات الدينية.
تطاول الصغار هذا، انما هو انعكاس وترجمة لمواقف كبارهم من الكنيسة المارونية التي حملت على أكتاف بطريركها واحبارها اثقال اللبنانيين وآلامهم واحزانهم طوال قرون وعقود من الزمن، وكانت صوتهم وضميرهم في اوقات المحنة والاضطهاد والظلم والعذاب وغياب الحرية والسيادة والاستقلال.
لو لم ترع بكركي وسيدها نضال اللبنانيين من اجل حرياتهم، ولو لم يحميا هذا النضال بالقوة المعنوية والهيبة اللتين استحقتهما بكركي منذ سالف العصور، هل كان هؤلاء الخوارج ينعمون اليوم بحرية التطاول عليهما، والاساءة اليهما تصريحا وتلميحا وتآمرا، وبماذا يختلف هؤلاء عن الاسرائيليين الذين اساؤوا الى مريم العذراء وتهكموا على السيد المسيح، أليست الكنيسة هي الصخرة التي بنى عليها يسوع بيعته.
يمكن للمسيحيين عموما، والموارنة خصوصا، ان يقبلوا بأي شيء، ما عدا التطاول السوقي على كنيسة الله واحبارها، والموقف الصارم الذي أعلنه المطران بشارة الراعي في مؤتمره الصحافي، هو الموقف الذي ينتظر المسيحيون تطبيقه اذا تمادى البعض في قبائحهم، خصوصا ان هناك عددا كبيرا من الاحزاب والتيارات التي يرأسها رجال دين، ولا يجرؤ احد ان ينتقدهم او يقول لهم «ما احلى الكحل في عيونكم» فلماذا اذن هذه «الكسرة» على البطريرك صفير، احد اهم البطاركة في الكنيسة المارونية، ألأنه لا يملك سلاحا ومسلحين للدفاع عنه، سوى سلاح المنطق والحق والخوف على الوطن والرعية.
لم يعد مقبولا ان يغفر بعد اليوم آباء الكنيسة للذين يحاولون تفتيت صخرة بطرس المباركة، وعلى الآباء وهم الملافنة ووكلاء المسيح على الارض، ان يعرفوا ان ما يتعرض له البطريرك الجليل من اهانات اليوم، لن ينجو منها غدا مطلق مطران يصل الى السدة البطريركية، لا تعجب مواقفه الوطنية فريقا من السياسيين المتعطشين الى السلطة بأي ثمن.
في زمن الصوم المبارك، على المسيحيين ان يتذكروا ان المسيح مات وقام، لتبقى القيامة حية في كنيسته وبيعتها.