ما بعد الستين
إتصل الرئيس ميشال سليمان هاتفياً بالرئيس فؤاد السنيورة يوم أول من أمس وتمنى عليه تهدئة الأمور وإطفاء محرك السجالات بينه وبين الرئيس نبيه بري.
كان الرئيس بري قد زار سليمان في القصر الجمهوري وجرى استعراض للأوضاع.
أي أوضاع تلك التي جرى استعراضها؟ أليست البلاد في ألف خير؟!
لا موازنة للدولة، لا مجلس دستوري، لا محافظ هنا ومحافظ هناك، لا مدير عام هنالك، لا تشكيلات قضائية وديبلوماسية.
قتيل يسقط هنا، ومعركة تدور هناك، أرقام الدين العام الى فوق فوق والمساعدات الخارجية الى تحت تحت.
أي أوضاع ناقشها سليمان وبري؟ يومان وتبدأ أعمال المحكمة الدولية ويعرف القاصي والداني أي ترددات سيكون لهذا الحدث.
المهم، ان الرئيس طلب فرصة إضافية لحل مشكلة موازنة مجلس الجنوب وقيمتها ستون مليار ليرة لبنانية.
ماذا؟؟ هل هذا كل شيء! وماذا عما سبق من حملات وحملات مضادة كادت أن تشعل البلد؟.
وهل سينتهي الخلاف كلياً إذا جرى تقسيط المبلغ؟ وماذا عن حلفاء بري.. أليسوا مستفيدين من استمرار الخلاف؟
ثم نصل الى السؤالين الكبيرين: ماذا يريد بري أيضاً وأيضاً غير الستين مليار ليرة؟
ولماذا خبط السنيورة رجله في الأرض رافضاً أن يدفع هذا المبلغ (هل هناك من مطالب أخرى؟).
يقال إن الرجلين سيجتمعان في مكتب الرئيس على هامش جلسة الحوار يوم الإثنين المقبل ويصل المسؤولون الثلاثة الى حل.
إنه الرقم ستون.. ألهذا السبب يقال: ستون سنة على فلان أو على فلان أو عليهما معاً؟
فيصل سلمان
مصير لبنان على المحك إذا ما فازت 8 آذار ومصير 8 آذار على المحك إذا ما فازت 14 آذار
الثورة المضادة للأرز تنكفئ خارج المناطق المسيحية.. فكيف تردّ؟
وسام سعادة
إنّها وثبة متعدّدة المستويات تلك التي يشهدها الإجتماع المسيحيّ اللبنانيّ منذ بضعة أشهر.
فمن ثبات العهد الرئاسي على مرتكزات خطاب القسم، وإعادة الإعتبار للشرعية الدستوريّة من خلال مقولة "الديموقراطية الميثاقيّة"، إلى رسوخ قاعدة التلاقي بين الإستقلاليين والمستقلّين إنطلاقاً من المتن الشمالي، وإمتداداً إلى كافة أنحاء الجغرافيا المسيحيّة، ومن التحضيرات داخل 14 آذار لتنسيق كل كبيرة وصغيرة على الجبهة المسيحيّة والخروج بلوائح تتمثّل فيها كافة التلاوين بشكل نافع ومعقول، إلى بروز حظوظ جديدة لتحقيق أفضل الممكن في ما يتعلّق بالتمثيل الأرمنيّ في المجلس النيابيّ القادم.
ومن مباركة البطريرك نصر الله بطرس صفير للجهود المبذولة لتسليح الجيش من خلال دعوته الشباب المسيحيّ للإنخراط في المؤسّسة العسكريّة، إلى تحذير البطريرك من أخطار ذات وزن تاريخيّ على لبنان إذا ما فازت قوى 8 آذار في الإنتخابات، إلى المؤتمر الصحافي للمطران بشارة الرّاعي وإشهاره الحرم الكبير بوجه المتطاولين على الكنيسة وسيّدها.
وعلى الصعيد الشعبيّ، لم تظهر ارتدادات التفاهمات والزيارات المعاكسة للطبيعة سريعاً، إلا أنّها سرعان ما طفت على السطح، معيدة الإعتبار للثابتة الرئيسية في التفكير والسلوك المسيحيين في لبنان: فأيّا كان حجم انقسام المسيحيّين، وأياً كان موقعهم في نطاق التنازع الطائفي اللبنانيّ على مركز السلطة، إلا أنّه لا يمكن أن يطمئن لهم بال وثمّة سلاح خارج عن نطاق الدولة اللبنانية، ومكبّل لمشروعها، ومعطّل لتجربتها الديموقراطيّة، ومستخفّ بمثالها الحياديّ والمسالم، وناقم على هواها الغربيّ.
يعي المسيحيّون مركزية هذا الخطر ولا تنفع كل المحاولات المبذولة لطمسه، وهي محاولات تستفيد في الأساس من أزمة الزعامة المسيحيّة منذ الثمانينيات من القرن الماضي، ومن الموقف الوجدانيّ والعمليّ للمسيحيين من الخسارة النوعيّة لإمتيازات، أو ضمانات، كانوا ينعمون بها قبل الحرب، وما عادت لهم، وهي امتيازات ضمانات لم تنتقل، في أكثرها لغيرهم، الأمر الذي استثمرته النزعة الشعبوية العونيّة لحسابها منذ عقدين، مروّجة أنّه يمكن استعادة هذه الإمتيازات الضمانات المفقودة، بالإرادويّة وحدها، حتى ولو احتاجت هذه الإرادوية للتنقل من التحالف مع صدّام حسين إلى التحالف مع جورج بوش الإبن، إلى مبايعة مرشد الثورة الإيرانية على خامنئي، ومصحّح التصحيح البعثي بشّار الأسد.
مع ذلك، يجدر التنبّه. ان الوعي المسيحيّ اللبنانيّ لم يصل بعد إلى حيث يمكنه تجاوز أزمة الزعامة المسيحيّة المطروحة منذ عشرين أو ثلاثين عاماً، ولا أزمة الثقافة السياسية المسيحية التي لم تكن بالمناعة اللازمة في مواجهة النزعات الشعبويّة. إذ ما زال مطلوباً من ثلاثيّ بعبدا بكركي 14 آذار على الجبهة المسيحيّة بذل الكثير للتحرّر من الخطر الذي يواجه الإجتماع المسيحيّ من الداخل، وذاك الذي يتهدّد هذا الإجتماع من على تخومه أو في أطرافه.
لا شكّ أن تسارع لحظات الوثبة المسيحيّة المتعدّدة المستويات يبعث على التفاؤل، إذ ما عاد ممكناً أن يطمس التهديد الذي من جانب سلاح موجود بالفعل من خلال التركيز على سلاح موجود بالظنّ، وما عاد ممكناً لعب ورقتي "الديموقراطية التوافقية" و"تحالف الأقليات" لأجل الترويج لمحور استبداديّ اقليميّ، يفاخر بعقائد معادية ثقافياً للغرب، ويسعد بكل انفتاح يبديه أي أحد في الغرب تجاهه.
إلا أن الفعل يولّد ردّ الفعل. والوثبة المتعدّدة المستويات ستواجه بفصل آخر من فصول "الثورة المضادة للأرز". فهذه الأخيرة محاصرة اليوم بأحد احتمالين: إمّا أن تنكفىء بشكل واضح إلى خارج الجغرافيا المسيحيّة، وإذ ذاك فلن تكون من قاعدة آمنة لهذه "الثورة المضادة" لا داخل الجغرافيا المسيحيّة ولا خارجها، وإمّا أن يبادر الجسم الأكبر في "الثورة المضادة للأرز" إلى التدخّل شبه المباشر في الشأن المسيحيّ. إن بعض التوتير الخطابي الذي سمعناه في الأسابيع الأخيرة أراد استدراج هذا التدخّل، على أساس أنه، وما لم يحصل هذا التدخّل سيصبح كل مشروع 8 آذار، أو "الثورة المضادة للأرز" في خطر.
في الشعار، تؤكّد 14 آذار أن الإنتخابات مصيريّة، وأنّ انتصار "الثورة المضادة للأرز" سيكون نكسة كبيرة للحلم اللبنانيّ الإستقلاليّ والسياديّ، ولحلم السلام والديموقراطية في المنطقة. أما في الواقع فإن الإنتخابات "مصيريّة" فعلاً بالنسبة إلى 8 آذار، لكن بمعنى مغاير تماماً. في حالة فوز 8 آذار، يوضع مصير لبنان ككيان على المحك، لكن في حالة فوز 14 آذار يوضع مصير 8 آذار على المحك، لأنّ هذا الفوز للإستقلاليين، سيكون قد تحقّق من خلال فوزهم في مناطق الجغرافيا المسيحيّة.