#adsense

الجذور العلمية لتدخل الكنيسة في الشأن العام والحياة الدنيوية

حجم الخط

الجذور العلمية لتدخل الكنيسة في الشأن العام والحياة الدنيوية
المحامي جورج ابو صعب

قرأنا مقالات عدة خلال الساعات القليلة الماضية ردا على موقف الكنيسة وكلام صاحب السيادة المطران بشاره الراعي الواضح والمباشر والصريح بصراحة ووضوح ونقاوة الايمان بالله.

لكن ما استوقفنا في احدى المقالات لاعلامي من التيار الوطني الحر المقاربة التي اريد في ظاهرها ان تكون مقاربة علمية لموضوع عصمة الباباوات والحق بالراي الحر ضد البابا عندما يخرج سلطان البابا من الولاية الروحية على المؤمنين ليتعاطى الشأن السياسي والعام بحيث يجوز عندها احتراف حرية التفكير دون ضوابط.

فردا على هذا المنطق الخطير والمتنكر لتراث الكنيسة وقوانينها ندلي بالاتي:

اولا : ان العصمة الباباوية تشمل كافة مواقفه العامة سواء انطلقت من الايمان او من امور الدنيا ومنها السياسة. فمنذ سنة ونيف عندما قامت القيامة في العالم الاسلامي ضد قداسة الحبر الاعظم بنيدكتوس 12 على خلفية اقتباسه كلاما عن النبي محمد قاله احد الاباطرة الرومانيين في حوار مع ضيف له، اعتبر العالم الاسلامي كلام قداسته اهانة للدين لاسلامي. وكلنا تابعنا فصول الحملة الشعواء على قداسته مطالبة اياه بالاعتذار عن رايه، فرفض قداسته الاعتذار على اساس انه اي البابا معصوم من الخطأ ولا يعتذر عن ابداء رأي حتى في الامور الدنيوية.

وقداسته كان رئيسا لمجمع العقيدة والايمان في حاضرة الفاتيكان، وبالتالي فان العصمة البابوية ليست قاصرة فقط على قضايا الايمان وان كانت العصمة لم تستعمل منذ زمن فليس دليل قاطع على انحلالها وبالتالي على سقوط الحرم في حال مخالفتها.

ثانيا: ان البابا خليفة مار بطرس الذي كان الصخرة التي اوكله السيد المسيح عليه السلام قيادة المؤمنين. وقد قال له "انت الصخر وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي فلن تقوى عليها ابواب الجحيم وساعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فما ربطت في الارض ربط في السماوات وما حللت في الارض حل في السماوات.. (متى16/18-19) .

فارادة المسيح في جعل بطرس رئيسا للكنيسة تجلت عبر كنايات ثلاث: تلقيب الرسول المختار بالصخر، والوعد بتسليمه مفاتيح ملكوت السماوات، وقدرة الحل والربط المعطاة له، فالمفاتيح عنوان السلطة وقدرة الحل والربط تعني اطلاق السلطة لا تقييدها.

فالسلطة البابوية مطلقة وليست مقيدة بالشأن الايماني والروحي وعلى هذا الاساس تحولت الكنيسة الى هوية سياسية بالاضافة الى هويتها الايمانية في معاهدة لاتران عام 1929 بحيث تحولت حاضرة الفاتيكان الى دولة بابوية كاملة السيادة على ارضها. وبالتالي اصبح البابا رجل دولة بالاضافة الى كونه رأس الكنيسة الايمانية. فهل اخطأت الكنيسة بتحولها الى دولة؟ وبالتالي هل تخطئ اذا كان لها رأي سياسي من اعلى الهرم الى اسفله؟ ومن قال انه ومن لحظة تأسيس دولة الفاتيكان بات العلمانيون الاولى في رشق البابا وانتقاده اللاذع؟

ثالثا: ان البابا لاوون الثالث توج شارلمان في روما امبراطورا سنة 800 م وقداسة البابا يوحنا الثاني عشر احيا عز الامبراطورية الغربية سنة 962 م. فالاسبقية تكون للنفس على الجسد، وعلى العلمانيين احترام السلطة الروحية والخضوع لها للحد من جنوح الافراد والحؤول دون تفجر قوى الشر عندهم ….

وهي ذات مصدر الهي تستمد منه علة وجودها، فعلى السلطة السياسية ان تبقى ملزمة باحترام مبادئ العدالة واكرام السلطة الروحية والاعتراف باسبقيتها…
(PC Timbal – histoire des institutions et des faits sociaux – dalloz – 3eme edition – 1966- p.48 )

من هذا المنطلق وبما ان للبابا سلطة على الانفس تخوله محاسبتها بالانطلاق من قواعد الايمان المسيحي وهي تشمل الملوك والحكام بصفتهم الشخصية لا بصفتهم الملكية والرسمية… فتتدخل الكنيسة في السياسة عن طريق محاسبة الملوك والحكام الذين يتعرضون للنقمة الشعبية في اخلالهم بواجباتهم الدينية وبواجباتهم السياسية امام العامة، من هنا كان الحرم الكنسي الذي اصدره البابا غريغوار الرابع في اواخر القرن التاسع بوجه الامبراطور لويس التقي ابن شارلمان. (راجع تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني – دستور رعوي – الكنيسة في عالم اليوم – فرح ورجاء – الفقرة 21).

رابعا: جاء في الرسالة الاولى لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك بتاريخ 24/8/1991 : " … ان الظروف الصعبة التي نواجهها يجب الا تؤدي بنا الى الهروب او التقوقع او الانعزال او الذوبان بل تردنا بالاحرى الى جذور ايماننا لنجد فيها منبعا للقوة والقبات والثقة بالنفس …".

وانطلاقا من هذا الكلام الواضح يخطئ من يظن ان الكنيسة ليس لها دور في الالتزام السياسي للحياة الوطنية. وهنا نتوقف عند الاتي:

1- جاء في تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني – دستور رعوي – فرح ورجاء – الفقرة 76 ما نصه :"ان الكنيسة بحكم مهمتها وصلاحيتها … لا ترتبط باي نظام سياسي وهي في ان واحد علامة سمو الشخص البشري وحصانته .."
فالحصانة والسمو مرادفين للعصمة المكرسة لرجال الكنيسة وبطاركتها.

2- يقول قداسة الحبر الاعظم المغفور له يوحنا بولس الثاني في رسالته العامة حول الاهتمام بالشأن الاجتماعي:" … ليس عندها (اي الكنيسة ) في الواقع حلول تقنية ولا تقترح انظمة ولا برامج اقتصادية وسياسية ولا تبدي ايثارا لهذه او تلك شرط ان تظل كرامة الانسان محترمة ومعززة كما يجب وان يفسح لها المجال الكافي لتنجز مهمتها في العالم".
اي ان الكنيسة تتدخل في السياسة عندما تكون كرامة الانسان مهددة بما لا يدع لها مجالا لانجاز مهمتها في العالم. وهنا المثال الصارخ في لبنان حيث الكرامة البشرية ممتهنة من رجال السياسة والسياسيين.

3- يؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني – دستور عقائدي – نور الامم الفقرة 31 ما نصه : "بيد ان من واجب الكنيسة ان تذكر بلا ملل بالمبادئ التي هي وحدها تستطيع ان تؤمن حياة اجتماعية متناسقة تحت نظر الله – ولان الكنيسة تعيش في العالم فان اعضاءها … يشاركون في بعدها الدنيوي وهذا بطريقة مختلفة …
فالمجمع الفاتيكاني حدد بوضوح ان للكنيسة دور اساسي في المشاركة في الحياة الدنيوية وهي المؤتمنة على المبادئ وعلى التذكير بتلك المبادئ … فليس في هذا الكلام ما يقول برفع العصمة من رجال الكنيسة ان هم مارسوا الدور المحدد اعلاه.

4- وردا على نظرية الفصل بين قيم الدين والكلام بها والعمل السياسي للانطلاق منها في منع الكنيسة عن القول في السياسة، فيقول المغفور له قداسة الحبر الاعظم يوحنا بولس الثاني في ارشاده الرسولي (العلمانيون المؤمنون بالمسيح ) الفقرة 59 –لسنة 1989 : "ينبغي ايضا ان نذكر بان هناك ممارسة مسيحية لادارة الشؤون الزمنية لان البشرى الانجيلية تنير جميع الشؤون البشرية التي هي وسائل معدة في ان معا لان تبني الاسرة البشرية … لا يمكن اذا ان يكون للمسيحيين حياتان متوازيتان: احداهما المسماة روحية … والاخرى التي يقال لها العلمانية…

5- وحول الدور العام للكنيسة في الدفاع عن قيم الانجيل يقول المجمع الفاتيكاني الثاني – دستور رعوي – فرح ورجاء – الفقرة 22 : "ان الكنيسة حفاظا منها على الانسان ترى فيه صورة الله تردد دائما صرخة الانجيل في الدفاع عن فقراء العالم والمهددين والمحتقرين والمغموطة حقوقهم الانسانية لان المسيح جاء ليعلن تحرير جميع الناس ويوضح حقيقة الانسان".

فانطلاقا من هذه الدراسة المقتضبة يجب ان يصبح واضحا لدى من يود ان يفهم بان الكنيسة وعندما تتعاطى الشأن العام فهي تتعاطاه من منطلق التوجيه والارشاد وليس من منطلق تسجيل مكاسب سياسية. وبالتالي لا شيء في العلم الكنسي والقانون الكنسي يبيح لاي كان التطاول على رجال الدين وعلى رأس الكنيسة عندما يمارس هؤلاء دورهم الراعوي في الشأن العام. فهم لا يخرجون من بوطقة العصمة الروحية والدينية بل هم يتكلمون انطلاقا من عصمتهم الروحية والكنسية وبالتالي التطاول عليهم يساوي التطاول على الكنيسة وتعاليمها وقيمها التي ارساها السيد المسيح عليه السلام. فالعصمة البابوية والعصمة البطريركية اساس دور الرمزين في الحياة الرعوية والعامة في ان.

فكفى المشككين تشكيكا وتطاولا على المقامات الكنسية وعلى صاحب الغبطة لان البطريرك الحويك لو لم تكن له العصمة عندما ذهب الى مؤتمر فرساي لفرض بناء لبنان الكبير لما كان لبنان اليوم لنا… وللمهرطقين المملوكيين الجدد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل