محكمة..
بعد 1475 يوماً على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والغدر به يا إخوان، و1227 يوماً على صدور القرار 1757 الذي نصّ على قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.. تقوم هذه المحكمة لتسجّل سابقة في التاريخ الحديث لبلدنا وجواره وشعوبه.
والسوابق تاريخية في طبيعتها، وإلا ما استحقت وصفها، وهي فوق ذلك تعني بالنسبة الى السياديين والاستقلاليين والأحرار في لبنان والمنطقة، إن منطق العدل بدأ يسود عندنا أخيراً، وهذا بدوره معطى تاريخي ومؤشر الى انتهاء شريعة القتل من دون حساب، والطغيان من دون عقاب، والافتراء من دون صدّ ومواجهة، ومؤشر الى انتهاء سياسات موروثة من عالم القطبين قبل انهياره مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث الأذرع الممدودة خارج حدودها ونطاقها وصلاحياتها، تصادر إرادات دول وشعوب وأمم وتتغنى بذلك تحت ستار شعارات سياسية أو اقتصادية أو فكرية تغطي في واقع الحال، أحلاماً إمبراطورية فضفاضة تستبطن عجزاً حيال كل شيء، أكبر من استبطانها عوامل قوة ومنعة وثقافة واقتصاد وإنجازات علمية وفنية رائدة تفيض عنها!
محكمة دولية خاصة بلبنان لكنها أكبر من لبنان، بل ربما هي أكبر من كونها محكمة ونقطة على السطر. هي لمن أراد، أو لم يرد، تعبير واضح عن إرادة دولية جامعة من واشنطن الى موسكو وما بينهما وقربهما تتلقف إرادة السياديين والاستقلاليين في لبنان في الزمن الحديث.
إرادة ترفض الإرهاب وأهله وممارساته وترجماته، وتتطلع الى اللحاق بركب المدنية وأنظمتها وقوانينها وشرائعها بعيداً عن أنظمة الاستبداد والطغيان، وتعتبر أن دماء كبارها أكبر من المجرمين مهما كبروا، وأكبر وأنصع من كل عذر سياسي، تكتيكي أو استراتيجي، يستخدم لطمسها ويبقي في تالي الأمر الباب مفتوحاً أمام تكرار الجريمة من أجل ديمومة الوصاية ومعاندة العصر وحقائقه.
هي محكمة تنفي شبهة التعامي أو الغفلة المقصودة عن انتهاء زمن ونشوء آخر، وانتهاء قياسات وممارسات وارتكابات وولادة نقيضها الديموقراطي، السلمي، المبدع والخلاّق، انتهاء زمن الجريمة وبدء زمن العقاب، وانتهاء زمن التعمية وبدء زمن الوضوح، وانتهاء زمن التزوير وبدء زمن الحقائق، وانتهاء زمن الوصاية وبدء زمن الحرية، وانتهاء زمن الاحتلال وبدء زمن التحرير وانتهاء زمن الصوت الواحد الموجه عن بُعد وبدء زمن الحراك السياسي المعبّر عن رفض العسف وأصحابه.
محكمة من أجل لبنان، ما كانت لتقوم لولا دماء أبية، طاهرة، زكية، نقية، سُفكت لتحرق فإذ بها تسقي نبات الحق والاستقلال. وسُفكت لتقمع فإذ بها تُحرّر وتكسر كل قيد مصبوب بالنار والحديد والعار، وسُفكت لتُخيف فإذ بها تطلق العنان لشجاعة تليق بأهلها وروادها، وسُفكت لتُميت لبنان فإذ بها تُحييه الى يوم الدين.