أسباب خلاف بعض مسيحيي المعارضة مع بكركي
لماذا لا يكون اتفاق الجميع على شعار لبنان أولاً ؟
السؤال الذي يثير الجدل والسجال حالياً في الاوساط الرسمية والسياسية والشعبية، وتحديداً في الاوساط المسيحية، هو: ما سبب الخلاف بين بعض مسيحيي المعارضة وبكركي؟ ومتى كانت بكري هدفاً لحملة كان فيها الكثير من التحامل والتطاول على أعلى مرجع ديني ماروني، يتجاوز الحدود فاستحق رداً حاسماً وحازماً من رئيس اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام المطران بشارة الراعي؟ اذ لم يعد جائزاً ولا مقبولاً الا يكون البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وهو رأس الكنيسة المارونية، رأي في شؤون الوطن السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية، فيما لغيره من رجال الدين حق حمل السلاح لفرض رأيه بالقوة والوقوف مع فئة ضد أخرى والاستقواء بالخارج على الداخل؟
لقد كانت بكركي في مواقفها مع الحق والحقيقة، ومع مصلحة لبنان اولاً لأن لا مصلحة لها غير ذلك. فاذا كان لفئة لبنانية، وتحديداً مسيحية، موقف آخر فانه لا يحق لها ان تتهجم على من له موقف مختلف عن موقفها وتتطاول عليه، لا بل تخونه،
فعندما دعت بكركي في اول نداء لها الى انسحاب القوات السورية من لبنان كي يستعيد استقلاله وسيادته على كل اراضيه، ويستعيد ايضاً قراره الوطني الحر، كان هناك لبنانيون، وبينهم مسيحيون، من عارض ذلك. وهذا لا يعني ان من عارض هذا النداء كان على حق، ومن أيّده كان على باطل، او ان بكركي كانت مع فئة ضد فئة بل كانت مع لبنان من دون سواه.
وعندما وقفت ضد التمديد او التجديد لرؤساء الجمهورية، ايدها البعض ولم يؤيدها البعض الآخر، لكنها اعتبرت انها اتخذت موقفها ذاك بوحي من ضميرها، لأنه يحافظ على الدستور وعلى مبدأ تداول السلطة وعلى مصلحة لبنان.
وعندما أيدت ارسال الجيش الى الجنوب، علّ انتشاره فيه يجعل الهدوء يسود المنطقة، عارض البعض ذلك تارة بحجة ان وجود الجيش في الجنوب يحمي امن اسرائيل وطوراً بحجة ان وجوده يحد من نشاط المقاومة.
وعندما قامت التظاهرات والمسيرات والاعتصامات في الشارع لاسقاط الحكومة، دعت بكركي الى اسقاطها بالوسائل القانونية والدستورية وداخل المؤسسات، فاعتبر الداعون الى التظاهرات والاعتصامات ان بكركي هي مع فئة ضد فئة.
وعندما دعت بكركي الى وقف الاعتصام في الخيم بالوسط التجاري للعاصمة لأنه لم يحقق هدفه، وهو اسقاط الحكومة، بل حقق هدفاً واحداً هو إلحاق خسائر مادية جسيمة بالاقتصاد اللبناني وبأصحاب المحال التجارية والمقاهي والمطاعم، اعتبر زعماء مسيحيون في المعارضة ان بكركي منحازة ضدهم، وكأن المطلوب منها ان تجاري من يريدون اسقاط الحكومة في الشارع وليس في مجلس النواب كما يقضي النظام الديموقراطي، وان تؤيد اعتصاماً ألحق خسائر جسيمة بالمواطنين.
وعندما عارضت بكركي اسقاط الرئيس اميل لحود بقوة الشارع متمسكة بقوة القانون والدستور، اعتبرت فئة لبنانية ان هذا الموقف تنحاز فيه بكركي الى الموالين للحود، كما اعتبرتها منحازة الى قوى 8 آذار والمتحالفين معها عندما عارضت بكركي انتخاب رئيس للجمهورية بالنصف زائد واحداً.
وعندما دعت بكركي الى انتخاب رئيس للجمهورية وعدم مقاطعة جلسة انتخابه لئلا يفرغ أعلى منصب ماروني في الدولة، اعتبر من يريدون المقاطعة كعمل ديموقراطي ان بكركي منحازة الى قوى 14 آذار والمتحالفين معها.
وعندما أيدت بكركي تنفيذ القرار 1559 والقرار 1701، قال بعض من في قوى 8 آذار ان بكركي هي ضد المقاومة وتريد نزع سلاح "حزب ا لله" في حين ان بكركي تريد قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها فلا تكون هناك سلطة غير سلطتها، ولا سلاح غير سلاحها، ولا قانون غير قانونها.
وعندما أيدت بكركي قيام محكمة ذات طابع دولي لمعرفة الحقيقة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، اعتبر من لا يريدون قيامها، ليظل المجرمون يسرحون ويمرحون، ان بكركي منحازة.
وعندما أيدت بكركي قيام الحكومة بتصريف الاعمال ريثما يتم انتخاب رئيس للجمهورية، لانه لا يجوز تعطيل مصالح الناس، اعتبر البعض ان بكركي تؤيد بقاء الحكومة، فيما هذا البعض يريد تعطيل كل شيء في لبنان حتى في حده الأدنى.
وعندما قال سيد بكركي ان الأكثرية النيابية اذا انتقلت الى قوى 8 آذار فإن هناك اخطاراً واخطاء سيكون لها وزنها التاريخي على مصير الوطن"، اعتبر البعض انه يقف مع قوى 14 آذار. وعندما اوضح انه لا يقف لا مع هذا ولا مع ذاك بل يؤيد قيام كتلة مستقلة او وسطية من النواب في المجلس المقبل تكون وازنة بين القوتين الكبيرتين، تمكِّن رئيس الجمهورية من ان يكون حاكماً وحكماً، قامت قيامة البعض على موقفه هذا لانه لا يريد للبنان ان يرتاح ولا للحكم ان يستقر بل ان يظل يواجه الازمات التي تستدرج تدخل هذا الخارج او ذاك.
وعندما تحالف مسيحيو 14 آذار مع المسلمين تحت شعار "لبنان اولاً"، كانت بكركي تأمل في ان يتوصل مسيحيو 8 آذار الى اقناع من يتحالفون معهم من المسلمين برفع هذا الشعار ايضاً فيلتقي عندئذ جميع اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم حول لبنان السيد، الحر، المستقل، لبنان الذي لا يدخل لعبة المحاور لئلا يتحول ساحة للصراعات، لبنان مركز حوار الحضارات والاديان الذي دعا اليه الرئيس ميشال سليمان في المحافل العربية والدولية. لكن بعض مسيحيي 8 آذار فضلوا الانحياز الى محور لمواجهة محور آخر، وفضلوا بقاء سلاح "حزب الله" في يد فئة لبنانية من دون فئة أخرى، لتقوم دولة ضمن دولة، وسكتوا على بقاء سلاح الفلسطينيين خارج المخيمات كرمى لسوريا التي لها مصلحة في بقائه، وان يقابل موضوع اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية، بالسوريين المفقودين في لبنان… وان يعالج موضوع سلاح "حزب الله" بتعميمه على كل اللبنانيين لتصبح الدولة هي الاضعف والأعجز عن التدخل لقمع اي فتنة داخلية.
وعندما تم توقيع ورقة التفاهم بين الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله والعماد ميشال عون ظن كثيرون ان مضمون هذه الورقة، اذا ما تم تنفيذه، فان الطرفين الموقعين لها يكونان قد قاما بعمل مهم لا تستطيع لا السلطة ولا اي حزب ان يقوم به، واذا بورقة التفاهم هذه لم تمنع وقوع حوادث في الشياح ومار مخايل ضربت هيبة الجيش، وأخيراً، عسى ان يكون آخراً، وقوع حوادث 7 أيار التي كادت ان تشعل فتنة في البلاد، واذ بورقة التفاهم تبقى حبراً على ورق ويطلب موقِّعاها من السلطة ان تتحمل هي مسؤولية تنفيذ ما جاء فيها… لذلك فلا الاصلاح الاداري والسياسي تحقق لمكافحة الفساد، ولا المفقودون خلال الحرب في سوريا وفي لبنان وفي اسرائيل عُرف مصيرهم، ولا امكن وضع حد لاعمال العنف والاغتيالات، ولا العلاقات اللبنانية – السورية عادت الى طبيعتها بتنفيذ كل ما هو مطلوب، باستثناء تبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين وهذا لم يكتمل حتى الآن. ولا تمت معالجة اوضاع الفلسطينيين في لبنان داخل المخيمات لا من الناحية الاجتماعية ولا من ناحية السلاح. ولا تم تحرير الاسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية، ولا التوصل الى حل لموضوع سلاح "حزب الله" لا بالحوار الذي اخذ يدور في حلقة مفرغة، ولا بغير الحوار. ولا تم تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الاسرائيلي، وذلك بوضعها في عهدة الامم المتحدة بعد ترسيم حدودها.
ان مواقف بكركي من كل القضايا الوطنية، هي مواقف مع الحق ضد من يريد ان تكون مع الباطل، وهي مواقف تعلن الحقيقة وان جارحة. ولا تكذب على رعاياها او تضللها، وهي تأسف وتحزن لأن يكون فيها ابناء ضالون (…) فالمسيحيون بغالبيتهم ليسوا مع اشخاص ولا مع زعامات بل مع مبادئ وهم يؤيدون كل من يحافظ على سيادة لبنان وحريته واستقلاله فعلاً لا قولاً، فكل من ينادي بلبنان اولاً وأخيراً، ليس كشعار بل كقرار.