طاولة الحوار فشلت فلتَقُم المؤسسات الدستورية بدورها
هي مصادفة أن تنعقد جلسة الحوار (التي لم يعد اللبنانيون يتذكّرون رقمها) في الثاني من آذار، في الذكرى السنوية الثالثة على إنطلاق هذه (الطاولة)، حين أطلقها الرئيس نبيه بري في مجلس النواب. وللأمانة التاريخية يُفتَرَض تذكير اللبنانيين بأن (الحوار) لم يفعل شيئاً ولم يُحقِّق شيئاً، فإذا كانت (فلسفة الحوار) الإقرار بمرجعية الدولة في كل شيء والعودة إلى مؤسساتها والتسليم بالقرار لها، فإن (الحوار) بقي عاجزاً عن تحقيق هذه (الفلسفة) واقتصر ما قام به على تقطيع الوقت في إنتظار أن تنضج ظروف كل إستحقاق.
* * *
الحوار لم يمنع حرباً ولم يملأ فراغاً رئاسياً ولم يُحقِّق إجماعاً على أن السلاح يجب أن يكون محصوراً في يد الدولة ولم يُنضِج مفهوماً واحداً للإستراتيجية الدفاعية، إذاً ما هي الجدوى من الإستمرار فيه؟
هناك وجهتا نظر في هذا المجال:
الأولى تقول بأن إنعقاد طاولة الحوار يبقى أفضل من عدم إنعقادها لأنها تُبقي على التواصل بين القادة والزعماء، وهذا من شأنه أن يُحقِّق التهدئة.
وجهة النظر الثانية تقول بوقف طاولة الحوار كآلية معتمدة للوصول إلى حلول لأن هذه الآلية أثبتت عدم جدواها، ومن الضروري مكاشفة اللبنانيين ومصارحتهم بهذه الحقيقة. المدافعون عن وجهة النظر هذه يعتبرون أن وقف طاولة الحوار من شأنه أن يؤدي إلى ما يلي:
– تحقيق (صدمة) لدى المسؤولين تدفعهم إلى التفتيش عن (آلية منتجة) غير تلك المعتمدة منذ ثلاثة أعوام من دون أي نتيجة تُذَكر.
– حث المسؤولين على العودة إلى المؤسسات التي لها مفاعيل دستورية ووضع حد (لثقافة البدائل)، فهناك مجلس الوزراء الذي يُفتَرَض أن يكون السلطة التنفيذية، فلماذا لا يكون الحوار في داخله؟
وهناك مجلس النواب الذي يُفتَرَض أن يكون (أم السلطات)، فلماذا لا يكون الحوار فيه؟
لا يجوز إعفاء المؤسسات من دورها بل على العكس من ذلك، من الضروري دفعها إلى العمل وتحميلها المسؤولية ومحاسبتها، ففي الدستور آلية لمحاسبة المؤسسات لكن ليس فيه أي بند لمحاسبة طاولة الحوار.
* * *
طاولة الحوار عُلِّقت عند إندلاع حرب تموز، ولم تمنع الإعتصام في وسط بيروت، ووقفت تتفرَّج على الإضطرابات الأمنية المتنقلة إن في الشمال بين باب التبانة وبعل محسن، وإن في بيروت في أحداث 7 أيار الماضي، وإن في البقاع.
وليست طاولة الحوار هي التي أنضجت الظروف لإنتخاب رئيس جديد للجمهورية بل إن إتفاق الدوحة هو الذي أدى إلى إنضاج هذه الظروف، وطاولة الحوار لم تُقصِّر الفراغ الرئاسي الذي دام ستة أشهر، يوماً واحداً.
* * *
إنطلاقاً من كل هذه الإعتبارات، ليت جلسة الإثنين تستعرض كل هذه الحقائق والوقائع فتُعلن للبنانيين أنها (ستُسلِّم الأمانة) إلى المؤسسات الدستورية لتتحمَّل مسؤوليتها، فتُزيل بذلك الأوهام العالقة في الأذهان من أنها قادرة على فعل شيء.