ردع المتطاولين على مسيرة العهد الجديد
نظام لبنان السياسي واضح الى أبعد الحدود، في المبادئ الاساسية التي ينّص عليها دستوره والقوانين المنبثقة عنه. وأي مواطن يغريه تعاطي الشأن العام هو ملزم باحترام القواعد، التي ترعى الممارسة السياسية والوطنية السليمة وتلجم الطموحات الشخصية والفئوية.
بمعنى آخر، لا مكان هنا للمزاج والاستنساب وخرق الأصول، اليوم بالذات، وفي كل آن، لا سيما بعد تجارب السنوات الأربع الماضية، حيث برع فريق سياسي معين في تجاهله المبرمج كون لبنان دولة مستقلة وفي الامعان في محاولة تدمير نظامه السياسي وحياته السياسية من خلال ارتباطه الوثيق الموثق بدمشق وطهران وبسياستهما من دون ان ننسى المخاطر الاسرائيلية التي ساهم في تطويب اعتداءاتها الناجمة الى حد كبير عن تحرشات متنقلة بها انطلاقاً من حدود لبنان معها، على مدى أربعة عقود.
فأسفرت عمليات الفعل من لبنان وردود الفعل الدموية الاسرائيلية، على المستوى المادي، الى تدمير البنى الاقتصادية. خراب، كان من الضروري التعويض عنه. من هنا الضائقة المالية اللبنانية، التي أدت الى ارتفاع وتيرة الدين العام والى العجز المتواصل في موازنات الدولة السنوية.
موازنة 2009
في 19 شباط، عقد مجلس الوزراء في قصر بعبدا جلسته السادسة المخصصة لموازنة العام 2009 عجز عن البت بها وبقي امرها معلقاً، بانتظار عقد جلسة أخرى لم يحدد موعدها! واستمرت عقدة ميزانية مجلس الجنوب التي جعل منها نبيه "ام المعارك" يصر على ارقام خيالية لم يحدد مجالات انفاقها. وكان من الطبيعي ان ترفض الحكومة ووزير المالية محمد شطح الموافقة عليها. مما اثار غضب رئيس مجلس النواب ودفعه الى القيام بحملة شعواء ضد الحكومة في جو من التحدي الكلامي والشتائم يجوب الأجواء.
خلال الجلسة المذكورة وامام عصيان فريق 8 آذار طرحت فكرة التصويت على مشروع الموازنة وهو أمر طبيعي فهدد وزراء المعارضة بالاستقالة ملوحين بتنفيذ الثلث المعطل.
الى متى تستمر المعارضة في اسلوبها التعطيلي؟ مجلس الوزراء لن يتراجع عن حقه في بت الموضوع في الموازنة العامة أرقام نفقات، يوازيها ذكر مجالات الانفاق. وليس من المقبول ان يُمنح مال، من دون تحديد مجالات الانفاق. ولأن المطالبات التي رفعها نبيه بري لا تفي بهذه الشروط بالنسبة الى ميزانية مجلس النواب عليه ان يرضخ لقرارات مجلس الوزراء ولا تجديه مراجله وتجاوز صلاحياته.
الى حين نزول الوحي على المعرقلين او حسم الموضوع بتخطي العرقلة، المطلوب من الحكومة الاسراع في جلسة واحدة مقبلة في اجراء التعيينات الهامة التالية: تسمية اعضاء المجلس الدستوري الخمسة، تعيين المحافظين الخمسة ونواب حاكم المصرف المركزي وجميع المراكز الشاغرة في وزارة الداخلية..
لا يجوز التهاون في ذلك ونحن على ابواب الانتخابات النيابية.
صلابة فؤاد السنيورة
"بق" رئيس الحكومة فؤاد السنيورة "البحصة" على دفعتين في 21 و22 شباط انطلاقاً من السراي الحكومية ومن مدينة صيدا وهو ابنها حيث اقيم له استقبال ترحيبي لافت.
قال في بيان صادر عن رئاسة الحكومة ما يضع النقاط على حروف كل شيء:
"موضوع الموازنة هو شأن يتصل بصلب مهمات الحكومة والسلطة التنفيذية المسؤولة امام مجلس النواب عن الانفاق والمالية العامة للبلاد. وهي تتحمل مسؤوليته امام مجلس النواب لارغامها على الموافقة على مطالب معينة من شأنها ان تنعكس سلباً على المصلحة العامة، فضلاً عن انها تخرج عن الاصول وتتجاوز الحدود التي رسمها الدستور..".
اضاف: "من المؤسف ان مصالح المواطنين الجنوبيين باتت سلعة للمزايدات السياسية، مما يعطل العمل الحكومي ويمنع الاجراءات والضوابط المطلوبة لحسن سير العمل.
في صيدا، لم يكتف فؤاد السنيورة بالدفاع عن نفسه وعن الحكومة بل وجه كلاماً قاسياً للذين تعاملوا بطريقة سلبية مع الدولة خلال الأعوام السابقة مما قاله:
"انتابني احساس بأن مسؤولية حماية مصالح الدولة والمواطنين والجمهورية والاستقلال امانة يجب الا نفرط بها".
البعض دأب على زرع ثلاثة امور في نفوسنا، اولها ان اللبنانيين لا يستطيعون ادارة شؤونهم وان رفيق الحريري يجب ان يكون ذكرى عابرة ، وان لبنان سيبقى ساحة ان لم يعد لبنان الى دور معين". واستحضر "ثلاث حروب شنت على الدولة اللبنانية: حرب الاغتيالات وحرب تموز 2006 وحرب الارهاب في مخيم نهر البارد ثم كان الصراع السياسي المحتدم والممتد لأكثر من ثمانية عشر شهراً…
اضاف: "لا بد من الاستمرار في العمل لكي تعود للمؤسسات الدستورية عافيتها وتوازنها والفساد الاداري داء كبير لكن الفساد السياسي داء اكبر". لم نرضخ للترهيب والتهديد والابتزاز ولن نرضخ له الآن".
"هلوسات" مجلس النواب
نشهد منذ فترة حركة وحراكاً لمجلس النواب لجاناً، لجاناً مشتركة وجلسات عامة يدوران على هامش المهم والأهم وكأن رئيسه يريد ان ينسينا اقفاله التام بين العام 2004 ومنتصف العام 2008 حيث كان حضور المجلس ضرورياً.
في جلسة 19 شباط العامة اقر مجلس النواب مشروع قانون معجل مكرر قابلاً للطعن: ترقية مفتشين في مديرية الامن العام، كان مجلس شورى الدولة قد الغى نتائج المباراة التي كانوا خضعوا لها للغش الذي طبع اجراءها.
ونطرح هنا جملة من الاسئلة لماذا جرت الترقية بقانون بدل ان تحصل على يد الحكومة؟ لماذا هذا الاهتمام الزائد وغير الطبيعي بالامن العام خصوصاً وهل هناك عناصر على شاكلة جميل السيد اراد البعض الرفع من شأنها؟ من صاغ مشروع القانون ولماذا لم تنتبه الاغلبية النيابية لهذه الفضيحة قبل حصولها؟
ثم كان هناك مشروع قانون حول تعديل القانون المتعلق بـ"المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء" يقضي بضرورة موافقة ثلثي مجلس النواب على محاكمة اي من المعنيين، مشروع عطلته الاغلبية النيابية وتحضرنا هنا الملاحظات التالية على القانون الاساسي لذلك "المجلس الاعلى!".
1 ـ لماذا يكون هناك مجلس اعلى يشارك فيه مجلس النواب الذي هو اصلاً مؤسسة تشريعية ورقابية ولا علاقة له مبدئياً بكل ما هو محاكم ومحاكمات؟
2 ـ لماذا تقتصر المحاكمات على الرؤساء والوزراء فقط ولا تشمل النواب ايضاً.؟
3 ـ من غير المقبول ان يكون مجلس النواب سلطة قضائية. ينبغي ان يعاد النظر في القانون الاساسي المشار اليه، بحيث تتولى محكمة عليا خاصة محاكمة الرؤساء والوزراء والنواب من دون ان تتدخل في الامر السلطتان الاجرائية والتشريعية.
4 ـ ما هو مبرر الحديث من وقت الى لآخر عن لجان تحقيق برلمانية في بعض الموضوعات والامور؟ لا يدخل هذا العمل في اختصاص النواب من وظيفة القضاء وحده ان يحكم في جميع القضايا كالفساد والتنصت مثلاًُ.
5 ـ ثم ما هي الجدوى من عقد اللجان المشتركة اجتماعات عامة، للبحث في بعض المواضيع؟ ألم نسمع في احد تلك الاجتماعات الذي كان موضوعه "التنصت" ما تفوه به عبقري طالب بالغاء التنصت الشرعي وغير الشرعي معاً؟
لغة القنابل والصواريخ
لا بد من التحذير من مغبة تساهل السلطة في الموضوع الامني في اي ظروف لا سيما في المرحلة التي تسبق انتخابات 7 حزيران.
القنابل التي انفجرت هنا وهناك في بيروت والضاحية وكسروان، على ايدي مجهولين ينبغي ملاحقة ابطالها باقصى السرعة.
والصاروخان اللذان انطلقا مجدداً في 21 شباط من الجنوب باتجاه اسرائيل لا يكفي الرد عليهما وعلى سوابقهما بالقول ان الجنوب ليس منصة لاطلاق الصواريخ بل ينبغي معرفة الفاعلين واستدراك التكرار.
تعرف السلطة جيداً الجهة او الجهات التي تملك السلاح. واتباع سياسة النعامة في هذا المجال لا ينتج عنه حل، ويجب ان يكون هناك حل جذري.
على هامش كل ذلك، لا يمكن القبول بموقف احتكاري عبر عنه مسؤول في "حزب الله" في 20 شباط حيث قال بالفم الملآن: "المقاومة متمسكة بسلاحها ولا تريد الخضوع الى المؤسسة الرسمية (اي الجيش اللبناني) لان قرارها يخضع للمعادلات الدولية".
"الـ" التعريف لا تعبر الا عن مقاومة فريق معين والمقاومة في صورة عامة هي شأن يهم كل اللبنانيين لا يخضع الا الى معادلة لبنانية ولا علاقة له بأي معادلة اقليمية او دولية من حق الجنوب وكل لبنان ان ينتهي كلياً من هذا الواقع الذي لا يبشر بالخير.
التطاول على العهد الجديد
يكشف سلوك المعارضة نية في العودة الى الاسلوب الذي اتبعته خلال عهد لحود الممدد المشؤوم وعلى مدى الفراغ الرئاسي.
خلال فترة التمديد، خرقت كافة الاصول الدستورية ودافعت عن ساكن قصر بعبدا، على الرغم من الاغتيالات السياسية والاضطرابات الامنية، وقبل نهاية تلك الولاية نزلت الى الشارع كي تسقط الحكومة وتمنع انتخاب الرئيس البديل.
وها هي اليوم بعد مرور سبعة اشهر على ولاية الرئيس ميشال سليمان تنزلق الى التعامل السلبي مع الرئاسة الأولى وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية كلاماً ومواقف.
هذه المرة من خلال تعطيل العمل الحكومي من الداخل وتوتير الاجواء بسجالات عقيمة حول سلسلة من المواضيع . تشكيك في قانون الانتخاب اعتراض على اجراء الانتخاب خلال يوم واحد. كما نص على ذلك القانون.
جماعة 8 آذار بدعت في ممارسة المنكر في حق شعب لبنان ودولة لبنان.
ولن يكون مستقبل العهد ومستقبل لبنان على قياس ما مارسوه في ماضيهم.
وحسابهم العسير سيلقونه في استحقاق السابع من حزيران القادم حيث سيقول الناخب اللبناني كلمته المعبرة عن طموحاته فيتولى قيادة البلاد من هو أهل لتحمل المسؤوليات الوطنية الكبرى.