#adsense

فرنسوا باسيل عندما يعتذر الرجال

حجم الخط

فرنسوا باسيل عندما يعتذر الرجال!!

استوقف كثيرين المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس جمعية المصارف اللبنانية فرنسوا باسيل، والمؤتمر سياسيٌّ بحذافيره مع أنّ باسيل أكد أنه عازف عن ترشيح نفسه للانتخابات النيابية.. وأكثر ما استوقف المتابعين الكلام الواضح والصريح والمباشر، الذي قلّما يكشف عنه رجال بمواصفات باسيل ومكانته والمهام الملقاة على عاتقه، إلا أن واجبه الوطني اللبناني اقتضى هذه الصراحة وهذا الوضوح..

وكلام باسيل فاجأنا ليس من حيث صراحته، بل من حيث شجاعته. فأن يطل رجل بوزنه لـ "يعتذر" لأنه أخطأ في العام 2005 عندما انتخب "موجة التسونامي" التي جرفت المسيحيين في تيارها، ثم انحسرت ليكتشفوا إلى أية مراهنات موحلة قادتهم "مقامرة" الجنرال السابق ميشال عون بمصيرهم ومصير لبنان، وإلى أية هاوية يجدّ الجنرال السير مُسرعاً ومُبدياً استعداداً مروّعاً في تنازلاته التي قد تصل حدّ القضاء على آخر مسيحي في هذا الشرق من أجل "ركوب" كرسي "الحلم القاتل"!!

عادة عندما تنحسر الموجات العادية تخلف وراءها الغثّ الذي حجبته تقلباتها، فكيف إذا انحسرت واحدة من موجات تسونامي، التي لا تخلّف وراءها سوى الخراب والدمار والموت، هذا تحديداً ما تكشّفت عنه موجة الجنرال السابق، واكتشف المسيحيون حجم الخطأ الذي ارتكبوه بحقّ أنفسهم أولاً وبحق لبنان ثانياً، في لحظة غريزة جارفة، جاءت رداً على خطأ فادح قادت إليه "انقلابات" رئيس اللقاء الديموقراطي المفاجئة، يومها سبقت حركته ما كان عليه من براهين التوضيح وعرض الأمور بصدق وصراحة، ولم يُكشف يومها للمسيحيين – لغايات مدبرة ومتواطئة – مَن يريد فرض فعلياً ما سُمّي بـ "الحلف الرباعي" المشؤوم، وحورب تحت هذا العنوان (فرسان قرنة شهوان) الذين بدأوا مسيرة استقلال لبنان في العام 2000 بعد بيان المطارنة الموارنة (…).

بعدها بدأت تتكشف الحقيقة فقد وفى عون بعدها بكل التزاماته، بدءاً من حماية سلاح حزب الله وشرعنته بورقة "التفاهم"، فإذا به لا يتورّع عن تهديد المسيحيين، الذين يدّعي تمثيلهم، مؤكداً لهم بأن هذه الورقة تحميهم من حزب الله – وسكت الحزب عن هذا التهديد ـ وكأنه يؤكد لهم أنه بلا عون هم عرضة لتكرار ما حدث في الثمانينات، واستقوى ببث الخوف في قلوب المسيحيين تارة بتخويفهم بالحزب، أو بذاكرة حرب إلغاء جديدة، تمهيداً لإخماد أصواتهم المصرة منذ العام 1970 على حرية واستقلال لبنان الذي خاضوا حرباً أهلية عاتية من أجله، وعلينا أن لا نسقط من ذاكرتنا أبداً أن هنري كيسنجر وعرض البوارج المنتظرة لنقلهم إلى أمكنة أخرى في العالم غير لبنان تمهيداً لجعله وطناً بديلاً الفلسطينيين، ولو رضخ المسيحيون يومها، للحق بهم الشيعة والدروز والسنّة في حملات هجرة منظمة!!

عندما يعتذر واحد من أبرز الوجوه الاقتصادية اللبنانية، والمسيحيّة، فهذا يعني الكثير، هذا على الأقل ردّ صريح ومباشر من هؤلاء الرجال الذين حملوا عبء إنقاذ لبنان واقتصاده في أحلك فتراته، وهؤلاء الرجال الذين أدركوا إلى أي خراب للبلد ولاقتصاده قد تقودنا صيغة "هانوي ـ هونغ كونغ" التي يريد البعض فرضها علينا من أجل الاحتفاظ بسلاحه، أي أن نعرّض كل ما بنيناه للدمار من أجل أجهزة الطرد واليورانيوم الطهراني..

وعندما يحضّ فرنسوا باسيل جمهور جبيل على انتخاب الذين نزلوا إلى ساحة الحرية، في 14 آذار، هؤلاء الذين صنعوا ثورة الأرز، هو لا يحضّ إلا على التصويت للبنان السيد الحرّ المستقل، انتخاب "لبنان أولاً"، وانتخاب حياة ومصير ومستقبل لبنان وشعبه ..

اعتذار مشرّف أثلج صدور اللبنانيين، اعتذار ـ كرامة، يؤكد لنا أنه ما دام في لبنان رجال كفرنسوا باسيل فلا خوف عليه، وأن اللبنانيين فعلاً كسروا جدران الخوف، والغرائز، وباتوا قادرين على لفظ كل من يتاجر بهم وبشهدائهم وقضاياهم المحقة، وأن الرؤية عندهم واضحة ولا تشوبها شائبة ..

لبنان يكبر برجاله، خصوصاً أولئك الرجال الذين يملكون جرأة الاعتذار، وكلام رئيس جمعية المصارف يجب أن يكون درساً لكل متاجر بـ "كتيّب انتخابي" يستخدمه لغشّ اللبنانيين وتوزيع عناوين كاذبة عليهم، وإذا ما كانت الانتخابات موعد "المحاسبة" لكلّ من غشّ وخدع وادّعى كذباً حرصه على مصلحة الوطن والشعب، قد يكون من الضروري أن تلحظ القوانين الانتخابية تشريعات محاسبة للذين يلتزمون برامج انتخابية مكتوبة ثم يسحبونها كلّها أو بعضها ويعملون على إخفائها ومحو معالمها، وكأنها عار على أصحابها..

يحق لفرنسوا باسيل أن نحيّيه مرتين: الأولى على صدقه مع نفسه ومع اللبنانيين، والثانية على شجاعته، هو واحد من رجال يقوم البلد على أكتافهم، ويحق لنا أن نفتخر بهكذا رجال يعتذرون من أنفسهم ومن وطنهم ومن شعبهم، مع أن لا شيء يلزمهم بالاعتذار وعلناً…

أما جنرال الرفاهية في منافي باريس، فسيكون صعباً عليه أن يخترع كتيباً جديداً يروّج فيه لخدعة جديدة، ولعملية غشّ منظمة عبر شعارات فضفاضة، يحارب بها الفساد، ويا ليته ينظر من حوله ليجد جمهورية "عائلة عون"!!

في كانون الثاني العام 1990 هدّد الجنرال بإقفال كل الصحف التي تسمّي الراحل الياس الهراوي "الرئيس" يومها أدركت أن المنادة بالحرية لا تتفق والقمع، وبعضهم احتاج حتى شهد جنون حرب الإلغاء ليصدّق أن الرجل قضيته "الكرسي" ولو أفنى لبنان، وبعض إخواننا المسيحيين احتاجوا خمسة عشر عاماً ليكتشفوا حقيقة الرجل وأنه مستعد لإحراق مسيحيي الشرق مدّعياً تمثيلهم، ليجلس على "كرسي الحكم" ولو على تلال رماد وجماجم (…).

المصدر:
الشرق

خبر عاجل