المحاكمة تقترب: أين المفر؟
المسيرة الشاقة التي خاضها اللبنانيون في سبيل التحرير من الوصاية كان ثمنها مكلفاً وكاد أن يعيد البلد الى دائرة الحرب الأهلية، ذلك من خلال استهداف الرئيس رفيق الحريري أحد رموز الدولة الحديثة وشن هجمات تفجيرية لإحداث تصدعات أمنية مربكة عبر مواصلة إطلاق آلية الاغتيالات في وجه أي من يعبر عن رأي أو ينتقد لفكر معين وإن كان لا يتنافى ذلك مع حرية الكلمة ولا يتعارض مع قواعد الديموقراطية ولا يتناقض حتى مع سياسة الدولة ضمن الأطر السيادية. وفي هذا السياق رغم شرارة القتل وبشاعة التفجير لم تحجب بسائر الطرق والأساليب الشخصيات القيادية المسؤولة برمي كافة ثقلها ومالها من إمكانات وطاقات وارتباطات كي تستثمرها لزجر وملاحقة كل من يتطاول على أمن الدولة ومن تمتد يده لارتكاب أفظع الجرائم ومن يفتعل عبوات ناسفة لإدخال الرعب في أوساط الأسر وبين أحياء الأهالي المدنيين. وبعد جهد جهيد ها هي المحاكمة تقترب مهما كانت الصعاب وطالت الأنظار من محاولات العرقلة والاعتراضات على إنشاء المحكمة الدولية الى التصريحات المشككة في قدرة المحققين لحصولهم على اثباتات ممهدة لمعرفة هوية الجناة، كذلك بما يتعلق بالمخصصات المرتبطة بتمويل أعمال المحكمة من قبل الدول المهتمة بالمعرفة النهائية في مفاصل الجريمة. أما الذين في قلوبهم زيغ وضغائن والمتحاملين على استقرار الوطن فهم الآن مصابون قبل أي وقت مضى بأزمات نفسية شديدة وصدمات هستيرية لاسيما اولئك المشرفين على التهديدات ومن في زمرتهم من رؤوس النهب والتخريب والتهريب الذين كانوا يتمنون إبقاء البلد بكيانه وأبنائه خاضعاً وتابعاً على المدى الأبدي.
في واقع الحقيقة لم يكن نشوء المحكمة أمراً هيناً مثلما تعتقده بعض الفئات والأفراد وانما واجه اهتماماً جاداً وعملاً دؤوباً حرصاً على الأمانة بالعهد بالوفاء والالتزام الخالص من أجل مستقبل واعد، بحيث ان الطريق الى المحكمة كان مُلغماً لبلوغ هذا الانجاز الفريد من نوعه في هذا العصر ولصالح هذا الوطن الذي عانى الويلات والعواقب المؤلمة أثناء المعارك النارية الأهلية وفي عهد الوصاية التي استأثرت وتمادت في ابتزازها واستصغار القرار الوطني. فالمحقق الاسكتلندي بيتر فيتزجيرالد أول من أوصى بإنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة لكشف الحقيقة عندما التأم مجلس الأمن الذي وصف الجريمة بأنها عمل إرهابي منظم وبعدما تبين أيضاً له أن ثمة نقصاً هائلاً في الخبرات والمعدات المحلية. ولما عين القاضي الألماني ديتليف ميليس رئيساً للجنة التحيقق الدولية رسم خطوطاً مهمة في موقع الجريمة والعناصر المتورطة والمشبوه فيها لكن في نطاق السرية التامة، إلا أن أمر اعتقال الضباط الأربعة ترك أثراً بالغاً في نفوس المواطنين باعتبارهم أعمدة كبار أجهزة أمن الدولة في فترة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه فضلاً انه زاد الاعتقاد اهم أقرب الى المنفذين، وهم لا يزالون محتجزين بموجب أن أصول المحاكمات الجزائية تسمح بإخلاء سبيل المتهمين والمدعى عليهم ما عدا في جرائم الإرهاب والقتل والاتجار بالمخدرات. واللافت أن ميليس الأول الذي انتقد سوريا بعدم تجاوب مسؤوليها مع التحقيق ما دفع مجلس الأمن الى إصدار قرار 1636 داعياً الحكومة السورية إلى التعاون مع اللجنة وإلا مواجهة عقوبات عليها بناء على الفصل السابع. وإن توصل ميليس الى معطيات جديدة وإجراء مقابلات مع مسؤولين سوريين والتمس معلومات ونتائج بقيت تحت الحماية السرية بهدف استكمال التحقيق فقد استقال من مهمته وهو مقتنع باستحالة عدم إظهار الحقيقة. أما استخلاف القاضي البلجيكي ببراميرتس فقد حسم الاستنتاجات من خلال المعطيات الأولية التي خطها سلفه ميليس بما يخص التفجير فوق الأرض وتوسيع التحقيق بالتركيز على الاتصالات الهاتفية الخلوية التي أفادت عن عناصر كانت على علم مسبق سواء بالتحضير أو التخطيط أو المراقبة أو التنفيذ، دون أن يتجاهل براميرتس أن تجاوب الدول العشر مع طلبات للجنة كان متأخراً نظراً لأهمية المساعدة المطلوبة والفترة الزمنية العالقة، وتبقى تحقيقاته اتسمت بطابع بطيء في مسائل البحث والتدقيق معتمداً في منهجه إعادة النظر في المسائل شبه المفصول فيها سابقاً بما تسبب في هدر الوقت على حساب السرعة الزمنية فيما الخبير القانوني الكندي دانيال بيلمار اضاف في تقريره العاشر بملاحظة تطورات جديدة بوجود "شبكة" نفذت جريمة الاغتيال، وكانت تعمل قبل وخلال وبعد الاغتيال وأكد في ذات الوقت أن بعض أفرادها لهم صلة باعتداءات اخرى، بما يفسر أن التحقيق كلياً قطع أشواطاً بعيدة، مع أن بيلمار لم يصرف النظر عن حرفية المسؤولين المنفذين دون أن يعلن عن تخليه عن إمكانية العودة الى المعطيات المحصلة التي جمعها ووفرها القاضي ديتليف ميليس.
حوالي 300 شخص بين قاض ومحقق ومبلغ وموظف ستستغرق جهودهم وسينشغلون بكافة الأسئلة العالقة بالتنفيذ والتواطؤ أو المساعدة أو الكتمان بشأن واقعة الجريمة وما شابه من اعتداءات حصلت لاغتيال حوالي 61 شخصاً وأكثر من 450 جريحاً. وفي مطلق الأحوال، أيها المجرمون القتلة آن للمحكمة أن توصل أحكامها وإن اقتضت اسابيع أو أشهراً وما عليكم إلا خيارين: المقصلة أمامكم والزنزانة وراءكم. أين المفر؟