#adsense

الديموقراطية التوافقية اسم مستعار لغيرها

حجم الخط

الديموقراطية التوافقية اسم مستعار لغيرها

من الصعب الفصل بين كل ما يجري في لبنان، استحقاق الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل.. ولذلك فإن كل المواقف السياسية وكل ردود الأفعال التي نشهدها اليوم لا يمكن فصلها عن الاستحقاق الانتخابي.. وصار واضحاً أن لبنان سيشهد في الانتخابات المقبلة ثلاث كتل رئيسية: كتلة 14 آذار، كتلة 8 آذار وكتلة المستقلين أو فلنقل كتلة السيادة الوطنية وكتلة الصراع المفتوح أو (هانوي) والكتلة الوسطية.

لذلك فإن ما شهدناه في المرحلة الأخيرة وما كنا نشهده في السابق وما سنشهده في المستقبل القريب ـ بداية انطلاق المحكمة الدولية ـ وفي المستقبل البعيد في 7 حزيران ـ موعد الانتخابات النيابية ـ مترابط بالاستقصاءات والتقديرات لنتائج الانتخابات المقبلة.. التي تجريها الأحزاب عبر ماكيناتها الانتخابية. وهنا لا بد من إيراد الملاحظات الآتية:

أولاً: لا يمكن فصل أحداث 7 و9 أيار 2008، في بيروت والجبل، عن الحرب "الاستباقية" لانطلاق المحكمة الدولية، لكن هذه الأحداث المؤسفة لم تتمكن من تعطيل المحكمة، ولكنها أحدثت شرخاً لبنانياً دامياً، ومواقف وليد جنبلاط ومساعيه للتهدئة ولملمة الجراح بالتعاون مع نبيه بري وسعد الحريري وطلال أرسلان، ساهمت الى حد كبير في وأد الفتنة، وعدم انتشارها، رغم تأجيج نار الفتنة من قبل بعض الأطراف الداخلية المدعومة من الخارج.

ثانياً: إن الرهان على فشل تخليد ذكرى استشهاد رفيق الحريري، كان رهاناً خاسراً، فاجأ الفريق الآخر.. فالحشد الشعبي الكبير في 14 شباط، أكد مجدداً الوفاء للشهيد رفيق الحريري ولانتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005، فزحفت الجماهير من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب ومن البقاع الى الجبل الى بيروت، وجاءت لتعلن بصوت عال وواحد: إن استقلال لبنان ووحدته يستحقان منا كل العناء، وإن المحكمة الدولية أمانة في أعناقكم، وتستحق كل التضحيات، وإن الانتخابات النيابية ستكون الكلمة الفصل، التي ستحدد مستقبل لبنان، وستحمي العدالة والمحكمة وستؤكد رفضنا القاطع لسياسة المحاور، التي كانت سبب خراب لبنان وتحويله من وطن حر، سيد ومستقل الى ساحة تقاتل الغير على أرضنا، ولكن مع كل هذا، يجب أن لا ننسى مفاعيل اجتياح بيروت في 7 أيار 2008.

ثالثاً: كان اللبنانيون ينتظرون بعد خطاب التهدئة في 14 شباط، من قبل قوى 14 آذار، أن يلاقيهم الفريق الآخر بالمثل. لكن المشهد الشعبي الكبير في ساحة الشهداء ترجمه الفريق الآخر، على الفور، فتفجّر حقداً وغيظاً وكراهية ولؤماً وخبثاً.. ضد الجماهير التي لبت النداء وفاء للرئيس الحريري، وعاقبتها هذه القوى بالسكاكين والحواجز المسلحة وبقطع الطرقات في بعض أحياء بيروت أعادت إليهم ذكرى 7 أيار المشؤومة.. فسقط الشهيد لطفي زين الدين بسكاكين الحقد. وعشرات الجرحى. وحبذا لو لاقى الفريق الآخر خطاب وليد جنبلاط وكل قوى 14 آذار، في ذكرى الشهيد رفيق الحريري قبل هذه الجريمة وقبل الاعتداءات المتنقلة من منطقة الى منطقة.

رابعاً: ما حدث بعد 14 شباط، يطرح تساؤلاً جدياً، عن مدى جدية فريق 8 آذار بملاقاة الدعوات المحلية والخارجية لانتخابات نيابية هادئة وحضارية.. خصوصاً أن الأحداث التي نشهدها من خطف الموظف جوزيف صادر على طريق المطار.. الى اغتيال لطفي زين الدين في منطقة رأس النبع، الى الحواجز المسلحة في شوارع بيروت.. ومن المعروف أن مثل ردّات الأفعال هذه يصدر عادة عن الضعفاء وعن الذين لديهم شعور مسبق بالهزيمة في الانتخابات المقبلة. وهذا ما يدعو اللبنانيين الى مزيد من التساؤل، بأن ما يجري اليوم هو المقدمة لتعطيل الانتخابات. فشعار فريق 8 آذار: إما الفوز في الانتخابات وإما التعطيل! والذي يزيد من هذه الهواجس أن "حزب الله" حزب منظم وحديدي، ومن الصعب أن يتصور أحدنا أن ما حصل عفوي وخارج عن السيطرة وبريء!

خامساً: إن الكتلة (الوسطية) في الانتخابات المقبلة تزيد من توتر قوى 8 آذار، خصوصاً من ميشال عون الذي ازدادت لديه في المرحلة الأخيرة نوبات (عدم التوازن)، فالحالة الوسطية وموقف ميشال المر وأخيراً تحالفه مع أمين الجميل، أفقد عون توازنه، وتزعزع وضعه خاصة في المتن الشمالي وبعبدا وكسروان، وسينعكس هذا الوضع بالطبع على نتائج انتخابات جزين وزحلة.

وبالطبع فإن تراجع ميشال عون، ينعكس سلباً على رائد قوى 8 آذار، حزب الله، الذي سيواجه معضلة أساسية، بفقدان غطاء مسيحي فاعل! وبالتالي فإن "حزب الله" سيفقد أكثر فأكثر سمة التنوع، والتي هي ميزة وطنية كبيرة لدى قوى 14 آذار.

سادساً: إن مقولة الثلث المعطّل والتوافق أياً كانت النتائج في الانتخابات ليست أكثر من طرح مفخخ، فالتوافق لا يعني إطلاقاً جمع المتناقضات في سلة واحدة.. إن التوافق لا يكون على الأمور الأساسية ـ السيادية في الوطن، مثل: حماية الحدود والسياسة الدفاعية، والجيش الوطني، والاستقلال الحقيقي، والإنماء المتوازن وإلغاء الطائفية، والتربية المدنية الوطنية، وكتاب التاريخ الوطني. لكن وللأسف فإن مقولة التوافق والثلث المعطّل بمنظور خطاب حزب الله هو على هذه المسلمات ـ أو ما يفترض أن تكون مسلمات ـ وهذا يعني قيام دولة رديفة الى جانب الدولة الشرعية، وجيش رديف الى جانب الجيش الوطني، وتربية طائفية مقابل التربية الوطنية، وقيام المربعات الأمنية المحظورة على الدولة، مقابل الدولة السيدة الموحدة.

سابعاً: إن اعتماد الديموقراطية الحقيقية، وتداول السلطة من شأنه أن يؤمن المناعة الوطنية والعدالة الحقيقية والديموقراطية الفعلية والشفافة، حيث يصبح صوت الشعب فاعلاً في الاختيار في الانتخابات. وهذا كفيل بتنمية التنوع في الأحزاب الوطنية، والوصول الى قانون انتخاب عصري يوازن بين حقوق الطوائف والحداثة..

ثامناً: إن المطلوب من قوى 14 آذار مبادلة الوفاء لجماهيرها التي غصّت بهم ساحة الشهداء في 14 شباط، ببرنامج انتخابي يكون على مستوى المرحلة المقبلة وعلى مستوى آمال جماهيرها.. وبإعلان التحالفات الانتخابية بعيداً عن الأنانيات الحزبية الضيقة، وإعطاء الأولوية لانتصار القوى الاستقلالية والسيادية ولانتصار العدالة من خلال المحكمة الدولية، ولو على حساب النزعات الحزبية الضيقة. إن الاستقلال الحقيقي والعدالة أهم من الحزبيات الضيقة فالمطلوب من قوى انتفاضة الاستقلال التضامن خصوصاً على أبواب المحكمة الدولية التي ستهزّ أركان الكثيرين من الفاعلين والمشاركين والمحرضين.

تاسعاً: إن ما كتبه الصحافي إدمون صعب في (النهار) في 20/2/2009 يثير العجب والقلق في آن معاً، لدى اللبنانيين، كل اللبنانيين، على اختلاف مذاهبهم وتياراتهم السياسية، ويرون في كلامه عودة الى ما قبل الطائف، أي الى الحرب الأهلية. لا أحد يرى في الطائف انجيلاً أو قرآناً.. ولا بد من تطويره مستقبلاً، لا العودة الى ما قبله..! وكان الأجدى أن نقتبس من ميشال شيحا قوله: "الحكمة تقضي بأن يكون الإنسان معتدلاً"، فالطائف لم "يكسر القائمة الثالثة" في "سيبة" الحكم، ورأينا في عهد الوصاية السورية قدرة القائمة الثالثة (لحود) في تعطيل الحكم لسنوات طويلة، مستنداً الى الطائف.

عاشراً: إن القول إن "الحكم الأكثري غير ممكن في النظام المذهبي، ليس سوى هرطقة دستورية، فالمعادلة المذهبية والطائفية قائمة قبل الطائف وبعده! لإنما الفارق أنه قبل الطائف كان الانقسام في لبنان انقساماً عمودياً.. بدءاً من الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية وصولاً الى الحركة الوطنية (اليسار) والحلف الثلاثي (اليمين).. وإن كان اليسار متخلفاً واليمين غبياً على حد تعبير كمال جنبلاط، أما اليوم فالانقسام في لبنان تراجع ليصبح أفقياً أو طائفياً، وهذا الانقسام لا علاقة له بالطائف، بل بسبب سيطرة فريق طائفي بقوة السلاح، وبسبب بدعة الثلث المعطل… أو كما أحسن التشبيه البطريك صفير: بحصانين أحدهما يشد العربة من الأمام والآخر من الخلف، فالعقل لا يقول بعودة الكرة الى إذكاء نار الفتنة والتبشير بالعودة الى ما قبل الطائف أي الى الحرب.

حادي عشر: إن تحقيق العدالة ونتائج الانتخابات النيابية لصالح قوى 14 آذار لا يتناقض إطلاقاً مع الاستراتيجية الدفاعية، ووحدة الموقف باعتبار إسرائيل دولة عنصرية معادية للبنان وللعرب وللسلام في العالم. فجميع اللبنانيين يجمعون على العداء لإسرائيل، ويجمعون أيضاً على أن مقاومة إسرائيل مسؤولية وطنية تعني جميع اللبنانيين، وليست حكراً على حزب أو فئة أو طائفة، فالجيش اللبناني مدعوماً من جميع اللبنانيين وحده المسؤول عن بلورة استراتيجية دفاعية تحمي لبنان من المخاطر الإسرائيلية.. ويجمعون أيضاً على أن لبنان سيكون آخر دولة عربية توقع صلحاً مع دولة إسرائيل، في وقت نرى بعض من يدعي (الممانعة) ويدعو الى (الصمود والتصدي)، يزحفون على بطونهم لعقد صفقة مع إسرائيل ويمضي بشار الأسد أربع ساعات في الحديث مع ايهود أولمرت أثناء زيارته لتركيا في شباط 2009، من مكتب رجب طيب أردوغان استجداء للصلح وفتح مفاوضات مباشرة بين سوريا وإسرائيل، وهنا نطرح سؤالاً على حلفاء وأصدقاء قادة (الممانعة والصمود) عن موقفهم، خصوصاً في الذكرى الأولى لاغتيال الشهيد الكبير عماد مغنية، الذي استشهد في دولة (الممانعة والتصدي والصمود).

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل