فلتُترك المحكمة وشأنها!
ليس من المبالغة القول ان انطلاقة المحكمة الدولية الخاصة للبنان اليوم في لاهاي، تشكل محطة مفصلية بكل معنى الكلمة في تاريخ لبنان والعدالة الدولية. وأبسط البديهيات أن يكون مطلوباً من اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية بعض الجدية، ومن العدالة الدولية إثبات جدارتها و"عدالتها". والأهم من انطلاقة المحكمة تأمين فرص نجاحها من خلال العمل القضائي التقني البحت بعيداً من اي تسييس من هنا، او عرقلة من هناك، أو جعلها مادة للسجال والتراشق على المستوى السياسي المحلي الضيق. ولا يخدم عمل المحكمة استباق احكامها، كما لا يخدمها بالتأكيد رشقها سلفاً باتهامات التسييس وما شابه. فلتترك وشأنها، والأفضل ان تسحب ما أمكن من التداول الاعلامي اليومي، بكل ما فيه من تشويش على عملها. وهي ستكون كفيلة بالاطلالة على الاعلام عند الضرورة وعندما يكون لديها ما تقوله للرأي العام وفق تأكيد المدعي العام دانيال بلمار "مواصلة شراكتنا مع اجهزة الإعلام وأبوابنا ستظل مشرّعة امامها لتزويدها كل الوقائع"، لافتاً الى ان "ثقة الرأي العام بالعمل والمؤسسة القائمة عليه امر جوهري لنجاح تفويضنا".
وينبغي الا يغيب عن البال ان عمل المحكمة لن يكون لأسابيع او لأشهر، بل قد يمتد لسنوات. والامر يبدو طبيعياً امام آلاف الصفحات وخلاصات التحقيقات ذات الصلة بالجريمة – الزلزال وما سبقها وأعقبها من اغتيالات، او عندما نتذكر ان الاحكام بجرائم قتل عادية غالباً ما تستغرق نحو ثلاث سنوات، فكيف بجرائم اغتيال سياسي لا تزال البلاد تعيش ارتداداتها.
ولعل الأهم في ما قاله المدعي العام بلمار ان المحكمة الخاصة بلبنان "لا تسعى الى الانتقام بل الى الحقيقة"، وان المعنيين جميعاً، "شهوداً كانوا ام موقوفين ام متهمين ستتم معاملتهم بشكل يحفظ كرامتهم"، وأن "مقتضيات العدالة لا تقبل بأقل من ذلك". وهذه المواقف للمدعي العام الدولي في المحكمة المفوضة من مجلس الامن، تزيل الهواجس عند البعض من "التسييس" وتقطع الطريق على التشكيك سلفاً في المحكمة ورشقها بالاتهامات. ولا يجوز في اي حال ان يكون الموقف من المحكمة رهناً بطبيعة ما قد يصدر عنها من احكام. وكان لافتاً تأكيد النائب سعد الحريري تكراراً القبول بما سيصدر عن المحكمة اياً يكن، وانه وعائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري لا يعتبرونها انتصاراً، وما من محكمة ستعيد رفيق الحريري وسائر الشهداء لعائلاتهم ومحبيهم، بل هي "انتصار للعدالة".
وينبغي ان يكون اكثر المتحمسين لانطلاقة المحكمة الدولية وتسهيل عملها والتجاوب معها، اولئك الذين اصابتهم سهام الاتهامات، ولا سيما منهم الواثقون من عدم تورطهم بأي شكل في جرائم الاغتيال. وقد قالها بعضهم أكثر من مرة خلال اليومين الاخيرين.
أما وقد أصبحت المحكمة الدولية حقيقة واقعة وكياناً مستقلاً، فان أي سجال حولها في الداخل لن يقدم ولن يؤخّر، ولن يؤدي سوى الى "مزيد من الشيء نفسه"، اي الجدل البيزنطي الممل والذي يستوي فيه التسييس واستعمال المحكمة منصة لاطلاق المواقف السياسية واستباق الاحكام، مع رشقها سلفاً بالتهم وعرقلة عملها والتعاطي معها "غب الطلب".
ويدرك الطرفان ان وقف الجريمة أياً يكن حجمها، لن يكون متيسراً بغير القبض على مرتكبيها. ويفترض ان اللبنانيين جميعاً، معنيون بوقف جرائم الاغتيال السياسي بل كل جرائم القتل، وقد عانوا الامرين من تداعياتها.
وبديهي القول ان من السذاجة، بل من السخف، الاعتقاد في لحظة ما، انه في الامكان "تسخير" عمل المحكمة لمآرب سياسية محلية أو ربطها بالانتخابات او غيرها، وأقل ما يقال في ذلك ومن اي جهة أتى، انه محاولة يائسة لعرقلتها من جهة، ومحاولة بائسة لاستعمالها منصة للتصويب على الآخرين، من جهة أخرى. فلتترك وشأنها إذا كان الجميع حقاً يريدون العدالة، ولا شيء سوى العدالة. وانهم جميعاً متعاونون معها الى أبعد الحدود…
سمير منصور