مع رفيق الحريري من حفرة السان جورج
إلى محكمة لبنان في لاهاي
أربع سنوات وأربعة عشر يوما إستغرقت الرحلة من حفرة "السان جورج" إلى ليتسندام، تلك الضاحية الهانئة من ضواحي لاهاي الهولندية.
رحلة كانت فيها الجريمة الإرهابية تتسابق مع المساءلة، وكانت فيها الدماء الزكية تقوّي عضد ولادة العدالة.
في الرحلة من بيروت إلى لاهاي، وبمجرد وصولك إلى مطار "سيبول" الهولندي، يترامى تحت ناظريك مدرج مغطى بالأزرق.هذا الأزرق الذي يعيدك إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو يقول لكل من ينقل إليه تهديدا منسوبا إلى القيادة السورية أو مسبوغا بلغة واحد من الجنرالات الأربعة الموقوفين، في رومية، في انتظار سجن شفننغن في لاهاي :"لن يفعلوا، لأن اغتيالي سيُزلزل الأرض تحت أقدامهم".
في المطار وأنت تشد الحزام لهبوط آمن، تبتسم لهذا التوازن المحقق في عبارة من أصبح في الرابع عشر من شباط 2005 شهيدا :أخطأ حين راهن على عقول مهدديه، وأصاب حين استشرف الزلزال.
تترك الطائرة، وتتهيّأ وحيدا للدخول في عالم مجهول، كتلك العدالة الدولية التي رفع شعارها، منذ تلك الساعات التي تلت دوي الألف وثمانمائة كيلو غرام من من المواد الناسفة، مئات الآلاف من اللبنانيين الذين استولدوا الإنفجار الشعبي العظيم في الرابع عشر من آذار 2005.
في المسافة التي تفصل بين باب الطائرة وبين موقف سيارات الأجرة، تنتابك موجة من الهلوسة، فأنت لا تريد أن تصدق أن هولندا مشغولة بنجومها عن شهدائها، فتجد نفسك تستذكرهم واحدا واحدا.تفترض الحرقة التي تأكل الياس المر ومروان حماده ومي شدياق وسمير شحاده لأنهم ليسوا حاضرين هنا ليشهدوا على ولادة المحكمة التي كانت عذاباتهم أحجار زاوية في إرساء دعائمها.
ومن ثم تتراءى لك كوكبة الشهداء ببسمة عريضة، وكأنهم يقولون شكرا لشعب صمد وضحى وناضل لئلا تذهب دماؤهم هباء.
ترى سمير قصير وجبران تويني اللذين، وفق ما يبدو، ستكون ملفاتهما إلى جانب ملف مروان حماده من الدفعة الأولى التي ستنتقل في وقت لاحق لانتقال ملف الرئيس رفيق الحريري إلى المحكمة الخاصة بلبنان، بعدما تبيّن وجود أكثر من رابط يقاطع في ما بينها. 8
ولا يغيب عن ناظريك جورج حاوي الذي قيل إنه اغتيل لأنه شهد على القتلة فأرادوه "درسا "لكل من يملك معلومة ليخفيها تحت "سابع أرض".
ويطل عليك بيار أمين الجميل محتدا، ويقول لك وهو الذي سبق اغتياله بساعات إلتئام مجلس الأمن الدولي للموافقة على مضمون الإتفاقية الرامية إلى تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بلبنان :وعدنا ووفينا.
وتستذكر وليد عيدو "شهيد المحكمة "الذي كان اغتياله مع بكره خالد الرد الأوّل على صدور القرار 1757 وفيه تصرف مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع لإقرار إنشاء المحكمة التي أغلقت قوة قاهرة، في وجهها، أبواب مجلس النواب.
ولا تنسى الرائد الشهيد وسام عيد.لا تنسى ما أنجزه في عمل شجاع لكشف قتلة الرئيس الحريري الذين هم في الوجدان اللبناني، ومن دون استباق التحقيق، من رفاق تلك المجموعة التي حاولت اغتيال لبنان بما يسمّى "فتح الإسلام"… وباستذكار وسام عيد وما تعرفه عن وسام عيد، يُطرح سؤال كبير أمامك عمّا يخبئه المستقبل لتشتيت حقيقة ما حصل فعلا في الماضي.
وفي سيارة الأجرة التي تتيه فيك في طريق طويلة إلى لاهاي، ظهر لاحقا أن هدفها فقط مضاعفة الكلفة -تعيد قراءة الخط البياني الذي رسمه وعد تشكيل المحكمة الدولية.
فجأة تطن في أذنيك تلك النظريات التي ما هدأت يوما وهي تدعو اللبنانيين إلى الإقلاع عن مسعاك إلى الحقيقة والعدالة ، من خلال الترويج لصفقات مقبلة.
في السنوات الأربع الماضية، كانت رواية صفقة تُخلي مكانها مباشرة لرواية صفقة أخرى:صفقة ستجعل تقرير رئيس لجنة تقصي الحقائق بيتر فيتزجيرالد من دون معنى، صفقة ستجعل التقرير المزلزل لفيتزجيرالد مجرد حبر على ورق، صفقة ستجعل تشكيل لجنة التحقيق الدولية مجرد قرار بلا قيمة تنفيذية، صفقة ستجعل ديتليف ميليس يتراجع عن خلاصاته التي توجه الشبهة إلى النظام الأمني اللبناني السوري،صفقة ستجعل "هروب"ديتليف ميليس نهاية للتحقيق الدولي بادعاء عدم العثور على من يقبل بالحلول مكانه، صفقة ستجعل سيرج براميرتز الذي حلّ مكان ميليس بسرعة ينقلب على خلاصات ميليس،صفقة لن تسمح للخلاصات التي انتهى إليها سيرج براميرتز المتطابقة بخطوطها الإتهامية العريضة مع خلاصات ميليس تصل إلى محكمة ذات طابع دولي، صفقة ستحول دون أن يُقر مجلس الأمن إنشاء المحكمة تحت الفصل السابع بحيث تتقاطع طرق التعطيل مع تلك التي تقطع الطريق إلى مجلس النواب اللبناني، صفقة لن تُجسّد القرار 1757 واقعا ملموسا وصفقة ستعيد دانيال بلمار إلى كندا.
حديث الصفقة يجول بك على هؤلاء الذين حاولوا أن يفعلوا ما ينسبوه إلى غيرهم.
تراهم في تلك الشتائم اليومية لفكرة المحكمة ولطالبي المحكمة ولصانعي المحكمة.تراهم في الصور الممزقة للرئيس الشهيد رفيق الحريري والمستبدلة بصور الرئيس السوري بشار الأسد. تراهم فيمن لم ينتبه في حرب تموز التدميرية سوى إلى حجم الحفرة التي تصنعها غارات طائرات العدو الإسرائيلي ليقارنها بحجم تلك الحفرة التي فتحت الأرض تحت سيارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. تراهم في أولئك الذين لا يستطيعون الدفاع عن براءتهم سوى باتهام الضحية بارتكاب الجريمة، وتراها في…
وفجأة يعيدك إلى اللحظة الراهنة صوت يناديك بإنكليزية ممزوجة بشيء من التركية:وصلنا سيّدي.
وتخرج من السيارة التي تطلب أن تبقى معك ، وتنظر بلهفة من كان يُعييه الإنتظار، إلى بناء ضخم أمامك :المحكمة الخاصة بلبنان.
تتقدم من المبنى المحروس بمجموعة من كاميرات المراقبة.
ليس ثمة من تتحدث إليه، فتستبدل الآخر بالحجر البارد.
تسأله عن الماضي وتتحدث معه عن الآتي.
تستنبط منه الكثير.
معه تشعر بقوة إستثنائية.قوة الواقع على المتخيّل.قوة الوعد الحقيقي على أحاديث الصفقة.قوة الصبر على كل سابع من أيّار.قوة الإيمان على كل تخوين.قوة صناعة المستقبل الآمن على كل إغراءات كسب يومك المرتجف.
أمام هذا المقر تتلاشى مخاوف كثيرة.
هنا لا خوف من "مجهول معلوم "تقفل في وجهه الطرق، وتستعرض له قوتك، ويطل عليك مرتديا ثوب القاضي بعدما يكون في غرفه السوداء قد "فبرك"ضد الحقيقة تلفيقات ترتسم أحيانا على شفاه شهود واقعين دائما تحت قبضته.
هنا لا صورة لرفيق الحريري، ولكن خياله وهو يضحك لباسل فليحان، يتلألأ على المبنى الذي سيصنع زلازل كثيرة.
هنا لا حفرة تذكرك بالرابع عشر من شباط ولكن حفرة غير مرئية ستقود قتلة لبنان إلى الجحيم، ولو كان ظاهره سجن مرفّه.
هنا الغد سيكون فعلا يوما آخر.
فارس خشّان