#adsense

صار لي وطن (هاني حمّود)

حجم الخط

صار لي وطن (هاني حمّود)

تجربتي مع النائب سعد الحريري، في جوانب كثيرة منها، نسخة طبق الأصل من تجربتي مع والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري. من هذه الجوانب أنه، وقد ورث ذلك عنه، يتمتع، أو يعاني من، حس كبير بالمسؤولية. أثبت ذلك مرات عديدة منذ سقطت بين يديه الجمرة الأكثر إلتهاباً من جمرات انفجار السان جورج. أثبت ذلك في تشكيل حكومَتي ما بعد الوصاية، وفي الحوارات الوطنية، في حرب تموز، في نهر البارد، في 7 ايار، وفي اتفاق الدوحة، كما في انتخاب رئيس الجمهورية. ومرة جديدة، يثبت حسه الكبير بالمسؤولية اليوم، واليوم تحديدا، بما يقول وما أفترِض أنه يحجم عن قوله مع انطلاق المحكمة الدولية.

أما أنا، فلا. أعترف أنني حاولت، وأحاول، أن أتحلى بهذه القدرة الرهيبة على قمع الذات وردم فجوات القلب الخاصة باسمنت الصالح العام، لكني اليوم، هذا اليوم بالذات، لا يمكنني أن أكتم شعوري الحقيقي.

اليوم، صار لي وطن.

أربعة أعوام وأسبوعان، وأنا مشرد، بعد أن نُسفت أساساتي بألفي طن من المتفجرات، وأنا منفي وقد أصبح بيتي بلا سقف، وأنا تائه وقد حرقت الجريمة كل معالم طريقي.

لكن اليوم، اليوم بالذات، صار لي وطن، أقوى من كل الأوطان. وطني ليس عضوا مؤسساً في الأمم المتحدة، بل الأمم المتحدة عضو مؤسس فيه. وطني لا يسعى لاعتراف البشرية به، بل تسعى البشرية، بما هي أنبل تعبير عن إنسانية الإنسان، إلى اعتراف منه. وطني يشاركني فيه ملايين الشرفاء الذين رفعوا علم الحقيقة في وجه كل ظلم، بدستور لا يعرف الطائفية، ولا الطبقيات، ولا التمييز: دستوره العدالة، ونشيده الحق، وعلمه الحساب.

صار لي وطن. عاد لي عنوان، وأصبح لي مكان أودعه الذاكرة. مكان، إليه أحيل النظرة التي لم تعد عين قادرة على حملها، أحفظ فيه الدمعة التي ما برحت تسقط ولا أرض ترتطم بها، أوكله الدم المسفوك في مزهرية الحرية.
اليوم، لم يعد مهماً هذا المعتوه يحقر شهداءنا على الشاشات. لم يعد مهماً هذا المنافق يفخخ وعوده بالسعي إلى القاتل. لم يعد مهماً هذا الخائن يلوّن حرباءه بضمير يبيعه على القطعة.
لم يعد مهماً ما سيقال وما سيكون.

اليوم، صار لي وطن

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل