#adsense

انتخابات بفوضى مضبوطة !

حجم الخط

انتخابات بفوضى مضبوطة !

رغم الضجيج الذي يعلو بين الحين والآخر الكثير من معالم المواقف السياسية حول موعد الانتخابات النيابية تشكيكاً في اجرائها او تخوفاً من تعطيلها، يبدو الخط البياني لهذا الاستحقاق نسخة طبق الاصل عن الفترة التي سادت منذ تسوية الدوحة، وهو غير قابل تالياً لأي تبديل دراماتيكي.

فحتى قبل بروز التطورات الاخيرة المتصلة بالتقارب السعودي – السوري ومن ثم التقارب المصري – السوري، لم يكن المشهد اللبناني ذاهباً نحو انهيارات بالمعنى الحقيقي ولو ان عوارض التفكك الحكومي والاحداث الامنية المتفرقة كانت تثير شياطين الشكوك في مصالح دفينة تتربص بالعملية الانتخابية وتسعى الى اهلاكها. هذه العوارض تمثل واقعاً الضعف البنيوي في هيكل سلطوي رُكِّب على تسوية هشة ولا يزال يكابد ثمن توازن سلبي بين اتفاق قسري غير طبيعي أقحم التزامات القوى السياسية حيال حماية هذا الاتفاق بانعدام القدرة على الوصول الى الانتخابات بحد ادنى من التماسك، لذلك كان الخوف مبررا على تفتق التسوية في أي لحظة وعند اي هبّة أمنية او سياسية على غرار ما تجمع من غيوم داكنة في الاسابيع الاخيرة. ولكن النقطة الاساسية التي ابرزتها هذه التطورات هي ان ضرب الاستحقاق الانتخابي صارت كلفته باهظة الى درجة لا يتحملها اي فريق داخلي وكذلك اي طرف خارجي متورط او نافذ في الوضع اللبناني.

ومع ولادة المحكمة الدولية امس مقترنة بملامح التقاربات والتقاطعات السورية – السعودية – المصرية ومشاريع الانفتاح التي تضخها الادارة الاميركية الجديدة في اتجاه البقع الساخنة في المنطقة، ينجو الاستحقاق اللبناني اقله على المستوى المبدئي والعملي المتصل بتثبيت موعده كأول انعكاس فوري لتبدل الاحوال الخارجية المحيطة بلبنان والمتحكمة بمساره. ومع ذلك فان ذلك لا يعني النوم على حرير الحقبة الفاصلة عن هذا الموعد والتي ستشكل استحقاقاً صعباً محفوفاً بالكثير من المفاجآت والتطورات كلما علت الحوربة الانتخابية وارتفعت حمى الحملات الدعائية والتعبوية.

الاستحقاق الحقيقي بدأ من الآن، في فترة المئة يوم، مع مرحلة الادارة الانتخابية التي تتشاطر حمل مسؤوليتها الدولة والقوى السياسية المتنافسة سواء بسواء، ليس من منظار "معنوي" فقط بل من منظار واقعي وعملي لأن القوى السياسية في مجموعها هي اقوى من الدولة مرات مضاعفة، ولأن الدولة هي الفريق الاضعف من الجميع حين يهتز القرار السياسي الذي بالكاد لا تزال تسوية الدوحة تبقيه متماسكاً. لذلك تكتسب مرحلة الادارة الانتخابية هذه المرة طابعاً حاسماً اكثر من اي دورة انتخابية سابقة الى حد ان المئة يوم المقبلة (إلاّ بضعة ايام بالتعداد الرقمي) قد تكون كفيلة بذاتها بتشكيل الفارق السحري المرتقب بين الغالبية والاقلية المنتخبتين، وليس اي عامل آخر.

ولأن مكونات لبنان الاجتماعية والطوائفية والامنية والسياسية مكشوفة على الغارب في عراء لا يمكن معه اي طرف المضي بعيداً في براعة التمويه على اي ورقة مستورة، تنبئ الصورة الراهنة للبنان المنتقل الى استحقاقه بأنه على موعد شبه ثابت مع الانتخابات، ولكنه ايضا على موعد مع "فوضى مضبوطة" على المستوى الامني خصوصا.

فبين ولادة المحكمة الدولية والتقاطعات الخارجية في طلائعها العربية والاقليمية والدولية، واللاقدرة الداخلية على تعطيل الاستحقاق اذا صحَّ ان ثمة اطرافاً قد يستشعرون خطر حصول ثغر او انهيارات انتخابية محتملة عليهم، يبدو الاحتمال الاقرب للاشهر الثلاثة المقبلة محفوفاً بتوترات يصعب ضبطها، وتفتقات امنية محمولة على صخب حملات يعرف اصحابها ان 7 حزيران سيكون فعلا موعدا فاصلا في تقرير مصير القوى السياسية وعبرها النظام، ولكنها توترات واهتزازات ستعلو وتهبط ضمن خطوط حمر يتراءى لكثر انها رسمت مع المحكمة الدولية في امكنة عدة، وبات يصعب معها تصور استباحات امنية كبرى، فيما الضعف البنيوي للدولة لا يشكل المانع القوي لمنع بدائلها من توترات جوالة كانت الاسابيع الاخيرة بمثابة تحمية أولية لبعض نماذجها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل