توقيتها يتزامن مع مصالحات عربية وترتيبات فلسطينية ومرونة سورية
المحكمة عامل تثبيت ضمني لمتغيّرات إيجابية في المنطقة
شهد الوضع العربي منذ قمة الكويت، التي عقدت من اجل غزة الشهر الماضي، بداية تحول كان من ابرز ظواهره واهمها انطلاق المصالحة السعودية – السورية وما ستقود اليه من مصالحة مصرية – سورية على اثر الدعوة التي اطلقها الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز في القمة. لكن ثمة ظواهر اخرى لا تقل اهمية ويوليها المراقبون الديبلوماسيون والسياسيون الاهتمام الاكبر ابرزها التحول في الموقف السوري الذي ترجم، على ما يقول مطلعون، عبر ممارسة دمشق تاثيراً كبيراً على حركة "حماس" من اجل الانضواء او الانخراط في المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، وهذا التأثير لم يبدُ واضحا فحسب، بل تبلغه كل المهتمين من رؤساء دول كبرى بدأت تقيّم الموقف السوري في هذا الشأن على انه يتسم بالايجابية والتعاون البناء، مع سعيهم الى تحويل دور سوريا في هذا الاتجاه اذ ان مؤتمر اعمار غزة الذي يبدأ اليوم في شرم الشيخ لم يكن ممكنا لولا التزام "حماس" شروط المصالحة مع السلطة الفلسطينية، في حين ان الحركة مدعومة من دمشق طالبت بتغيير جوهري واساسي على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية.
هذا التحول الايجابي الذي يُقرأ من خلال انطلاق المصالحة السعودية – السورية وعودة حركة "حماس" الى خفض سقف شروطها للتعاون مع السلطة الفلسطينية اثار تساؤلات عما اذا كان لانطلاق عمل المحكمة الدولية امس تأثير في تحريكه، الامر الذي لا تستبعده مصادر معنية باعتبار انه عامل مساعد جدا في دفع الامور نحو منحى مختلف عما ساد في الاعوام الماضية، الى جانب عوامل اخرى، من بينها:
– إن الحرب الاسرائيلية على غزة لم تكن نتائجها انتصارا للفلسطينيين على غير ما تمت اشاعته في هذا الاطار. اذ ان قيادات "حماس" في الداخل اعتمدت مواقف وتقويما مختلفا لتلك الحرب. وبعدما بدا ان هذا الانتصار يدفع في اتجاه محاولة إحداث تغيير في النظام العربي إن من خلال ما استهدف مصر من جهة او ما استهدف السلطة الفلسطينية في مقابل اعلان موت المبادرة العربية للسلام، عادت الامور لتندرج في سياق المعالجة العربية الهادئة. وما حفز هذا المنحى ايضا الموقف الدولي الذي جاءت الادارة الاميركية الجديدة لتدفع اكثر في اتجاه دعمه. فهناك من جهة الحوار المرتقب بين تلك الادارة وكل من سوريا وايران والذي رصدت الادارة افقه عبر اتصالات بعيدة من الاضواء قبل اتخاذها المواقف العلنية الداعمة للانفتاح والحوار والسياسة الخارجية التي تولي الديبلوماسية الاولوية. وهناك من جهة اخرى، اقله من جانب سوريا، نية لمتابعة المفاوضات المباشرة بينها وبين اسرائيل بصرف النظر عن موقف الحكومة الاسرائيلية الجديدة، باعتبار ان المفاوضات كانت الباب الذي فتح امام سوريا فك العزلة الدولية من حولها. وقد وجهت رسائل الى سوريا في هذا الاطار من بينها ان دعم الولايات المتحدة عملية الانفتاح ومساهمتها فيه على ما تطالب به القيادة السورية يفترض شروطا عدة من بينها الاضطلاع بدور بناء في الملفات التي تقع في دائرة النفوذ السوري والحصول على مظلة عربية لا بد منها لتسلك المساهمة الاميركية طريقها الطبيعي، اذ ان الانفتاح الاميركي على سوريا في ظل خصومتها مع الدول العربية المتهمة من "دول الممانعة العربية" بانها "دول المحور الاميركي" سيكون غريبا وغير مرحب به من الدول الاخيرة. وتاليا ان المصالحة مع السعودية ومصر هي احد ابواب معاودة الحوار مع الاميركيين سعيا الى مظلة عربية داعمة لالتزام واشنطن العمل على خط العملية السلمية في المنطقة، وهذا يسري في جانب كبير منه على المساهمة في التهدئة على الجانب الفلسطيني – الفلسطيني، لان لا إمكان لتقدم سوريا على مسارها السلمي مع اسرائيل من دون مفاوضات اسرائيلية – فلسطينية. اذ ان سوريا لا يمكن ان تعتمد الطريق الذي لا تزال تحمل بسببه وبقوة على مصر والاردن، والا كانت المفاوضات من اجل فك العزلة واعادة التموضع اقليميا ودوليا ليس إلا. اما انطلاق عمل المحكمة، وان كان موعده معروفا مسبقا، فإن حصوله في اجواء مصالحة مع المملكة السعودية اساسا يخفف وطأته المعنوية والمادية على حد سواء. ذلك ان هذه الاجواء، وإن كانت لا تبدد ما تشكله المحكمة من ضغوط، تساهم في التخفيف منها ومن العزلة العربية والدولية على قاعدة امكان استيعاب افضل وتجاوب اكبر من المتهمين المفترضين في ملفات متعددة مرتبطة بهم في المنطقة.