#adsense

لبنان في زمن القصاص

حجم الخط

 لبنان في زمن القصاص

…وجاءت المحكمة، الأحد 1 آذار افتتح لبنان صفحة جديدة من تاريخه، أمس كان يوماً لانتصار الشهداء على القتلة، لانتصار القتيل على القاتل، لانتصار الضحايا على الجلاد، كان يوماً للحياة، للبنان، للشعب اللبناني، لشهداء لبنان جميعاً الذين سقطوا الواحد تلو الآخر وذنبهم الوحيد أنهم كانوا عقبة في طريق ابتلاع لبنان وإبقائه تحت الوصاية، منذ "رصاصات الغدر" التي هوى مع دويها كمال جنبلاط رجل الفكر والفلسفة والسياسة إلى آخر قافلتنا الطويلة من "رجالات" لبنان، وبينهم "مي" زينة الشهداء والشاهدة على وجعنا المستمر،والسيدة الوحيدة في هذه القافلة ..

دائماً كان أهون الخيارات وطأة على القتلة أمر بالـ "القتل"، وكان الاستشهاد هو الوطأة الثقيلة التي لم تقدر مرة على قصم ظهر لبنان، لطالما قدّر لنا أن نقف من جديد وإن بعد حين..

أمس تأمل الشهداء طويلاً من حيث هم، وتأمل معهم الشهداء الأحياء حيث جلسوا قرب ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ونطقت عن الكل امرأة من لبنان ذنبها الوحيد أنها آمنت بوطنها وبحق الشهداء وحملت عبء الانتصار لدمائهم، فظلّ صوتها أمس شهادة حيّة يتردد في عين الشمس عن الشهداء وعنا..

أمس افتتح لبنان صفحة الحقّ "لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"، ولو كان القتلة من "أولي الألباب" لما قتلوا نفوساً لمجرد أن خالفتهم الرأي، ولمجرد عجزالقتلة عن مقارعة الحقيقة ومصارعة التاريخ وصرعه بأن لبنان وطن سيد حر ومستقل، وسيبقى، مهما ادّعى كثيرون غير ذلك، ومهما غلّفوه بتزيين الأحلاف الاستراتيجية أوبعناوين براقة للقضايا الكبرى زوراً وتزويراً،كأنهم وكلاؤها الحصريون!!

أخيراً، أدرك اللبنانيون أن الصمود واسترداد وطنهم من براثن المصالح الإقليمية لا يكون بالصمت، بل برفع الصوت عالياً مطالبين بحقهم بالحرية والسيادة في وطنهم.

بالأمس اصطف رجالنا كالشجر على جانبي لبنان، لنعبر نحن في ظلال أرواحهم، إلى حرية الرأي والفكر والكلمة، بالأمس كانت أكتاف الشهداء تسدّ الأفق أمام نظر القاتل: "أين المفرّ" ؟؟ والمحكمة دفعة فقط من حساب الجرائم الممتدة منذ 1 تشرين الأول 2004 فقط، وسيبقى لعدالة السماء وحكمها العدل جرائم كثيرة لتقتص منها، بدأت منذ كمال جنبلاط ولم تنتهِ مع رمزي عيراني.. ونفس واحدة لشهيد واحد يعدل قتلها "قتل الناس جميعاً"، حتى أصبح القتل أهون عادة عند القاتل!!

يوم خرجنا مذهولين تحت وطأة مرارة وفظاعة اغتيال رجل واحد هو رفيق الحريري، وبـ 1800 كيلوغرام من المتفجرات، أدركنا أن المقصود قتلنا نحن أيضاً وقتل لبنان، فصرخنا في وجوههم ووجه العالم، وخوّفونا وأرهبونا وزرعوا ليالي المناطق وبيوتها بالانفجارات، علّنا نخاف كما اعتادوا منا بعد كل اغتيال وكما خُيّل إليهم أننا سنفعل، لم تتطابق حسابات "حجم الشهيد" عندهم وعند العالم وعندنا، ولإسكات دول العالم كان عليهم إسكات الشعب اللبناني، خرجوا يومها بعد أيام قليلة ليقولوا لنا " لبنان ليس الصومال وليس أوكرانيا وليس جورجيا"، وبأن:"وإذا كان البعض يتصوّر أن يسقط الدولة والنظام والخيارات الاستراتيجية بتظاهرات وشالات فإنه مشتبه ومخطئ"!! ولم نخف يومها لأننا واجهنا "مسالمين" عتاوة تهديدنا بالسلاح!!

كان علينا أن نتنبّه فقط من يومها، أن حملة تخويننا بدأت منذ ذلك الوقت حيث وزعت خفافيش الليل منشورات "تصهيننا" في شوارع بيروت ليلاً، لأننا طالبنا بمعرفة القاتل؟! منذ اعتبرت دماء جبران تويني "ماء"، وأشلاؤه "هباء منثوراً في فضاء الفراغ" وتم رفض ضم كل الجرائم إلى ملف التحقيق الدولي..

العدّ التنازلي بدأ، ولو قيل: "الاتهام سيأتي على دفعات" ولو قيل: "أن المشتبه بتورطهم يجب أن يفرج عنهم"!! كانت سنوات عاتية على لبنان وعلى عائلات الشهداء، وعلى الشهداء الأحياء وعلينا، وكل اغتيال لرجل من رجالاتنا كان عملياً اغتيال للشعب اللبناني،بالأمس عبرنا السنوات الصعبة، وأضحت المحكمة حقيقة ماثلة أمام أعين القتلى والقتلة، والشعب اللبناني لن يتردد في الصمود سنوات أخرى في انتظار وقوع القصاص على القتلة.. ولى زمن القتل من دون حساب، وولى زمن البكاء فقط على الشهداء، وولى زمن التزام الصمت..

كان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لحظة أيقظت اللبنانيين من غيبوبة الصمت الكبرى في وداع كلّ من سبقوه من الشهداء، والظلم الذي وقع عليهم جميعاً، شهداؤنا هؤلاء هم المظلومون، والفارق كبير بين قتل تعسفي، وبين توقيف وحبس احتياطي على ذمة تحقيق في قضية لم ينتهِ التحقيق فيها بعد ولم تبدأ المحاكمة، ليس هذا تعسفاً أبداً فللحق أن يأخذ مجراه..

أيها اللبنانيون، احتفلنا بالأمس، فرحت قلوبنا بمحكمة حققناها بشهادة رجالنا ودمائهم وبدموعنا وصبرنا، أيها اللبنانيون:انتهى الجزء الأول من مشوارنا الصعب، استعدّوا للجزء الثاني ولا تظنوا أنه سيكون سهلاً أبداً، بل قد يكون أشد صعوبة، ولكن ثمة فارقاً واحداً ووحيداً بين الجزء المرّ الأول الذي تجرعناه على مدى أربع سنوات، طوال الأعوام الأربعة الماضية لم تكن المحكمة حقيقة، الآن أصبحت واقعاً:"أين سيهربون" منها ومنّا؟! ومن المفترض أنهم بهد 14 شباط 2009 باتوا يعرفون أن اللبنانيين أقلعوا عن الخوف.. بالأمس افتتحنا صفحة جديدة من تاريخنا في مشهدين اثنين، الأول: من هناك حيث الثورة الأولى والصرخة الأولى من عند ضريح الرئيس الشهيد، وبصوت "الشهيدة الحيّة" نيابة عن الرفاق الشهداء بلا ألقاب ـ كما قالت ـ والثاني؛ من لاهاي، من حيث المحكمة والحقيقة والعدالة الآتية بالقصاص "لأجل لبنان"..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل