هل من يقابل موقف الحريري بمثله ؟
قال زعيم "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري قبل يومين وفقاً لما نشرته صحيفة "المستقبل" نقلاً عن وكالة "رويترز": "لقد حاربنا من أجل قيام المحكمة (الخاصة بلبنان التي أنشأها مجلس الأمن لمحاكمة المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري) على مدى أربع سنوات. ومن المستحيل بالنسبة الينا ان نعارضها سواء وافقنا على النتائج (أي الاحكام التي ستصدر عنها أو أية أشياء أخرى) أم لم نوافق. لي ملء الثقة بأنها ستقوم بعملها وستعاقب من اغتال الرئيس الحريري". واضاف: "لا نزال نتهم النظام السوري" (بجريمة الاغتيال).
هذا الكلام عاقل جداً وحكيم. فالحريري كرر مرة جديدة ان سوريا مسؤولة عن الجريمة استناداً الى اقتناعاته وربما المعطيات الكثيرة التي يملك والتي قد يصلح بعضها أن يدرس كأدلة في المحكمة الخاصة المذكورة في حين ان بعضها الآخر قد لا يكون صالحاً لذلك ربما لانطلاقه من عواطف او من حوارات تفتقر الى الكثير من الأدلة. لكنه اكد في الوقت نفسه انه سيقبل النتيجة التي تخلص اليها المحكمة سواء ظهرت بعد سنة أو سنوات وسواء أعجبته أم لم تعجبه. ولهذا التأكيد معانٍ عدة. أولها، انه يؤمن بالقضاء الدولي ونزاهته وعدالته وقدرته على معرفة القتلة وانزال العقاب الملائم بهم. وثانيها، انه يؤمن بقدرة القضاء الدولي على تلافي تسييس المحاكمة، وهذا يفيده من دون أدنى شك كما يفيد الجهة التي اتهمها بالجريمة قراراً وتخطيطاً وربما تنفيذاً. وثالثها، انه مستعد لقبول أحكامها وإن برّأت سوريا المسؤولة في نظره عن قتل والده شهيد وحدة لبنان وحريته واستقلاله وديموقراطيته وسيادته.
وتنبع أهمية هذا الكلام من كونه يعكس ارادة فصل عند الزعيم السني الشاب بل اللبناني بين "ملف ثقيل" بين والده الراحل وسوريا وبينه وبين سوريا بعد رحيله، كما يعكس ارادة فصل عنده بين المحكمة الخاصة والمحاكمة وبين العلاقة اللبنانية – السورية التي يفترض ان تقوم في رأيه كما في رأي غالبية اللبنانيين على ثوابت وطنية تراعي لبنان الدولة السيدة والمستقلة والحرة والعلاقة الوثيقة جداً ولكن الندّية والمتكافئة بينه وبين سوريا. علماً ان ارادة الفصل الاخيرة هذه اظهرها النائب الحريري ورفاقه في فريق 14 آذار من زمان. لكنهم لم يلقوا الاستجابة الحازمة من دمشق وربما لأنها لم تكن نجحت بعد في تعديل ميزان القوى بحيث صار في مصلحة حلفائها بل في مصلحتها مباشرة.
ماذا يقتضي هذا الموقف العاقل من زعيم "تيار المستقبل" والفريق السياسي الواسع الذي يشكل هو أحد أبرز اركانه؟
يقتضي هذا الموقف ان يقابله فريق 8 آذار المتحالف مع سوريا والمحور الاقليمي والتي هي جزء مهم منه بموقف مماثل أو على الأقل شبيه من حيث الحكمة والعقل. وهناك في الواقع موقف تنطبق عليه الصفتان المذكورتان يمكن 8 آذار وتحديداً قائده "حزب الله" اتخاذه هو تأكيد قبول المحكمة الخاصة، أو بالأحرى إزالة أي اعتراض او لبس حول قبولها قد تكون اثارته تحفظات عن المحكمة اطلقت في حينه، وهو أيضاً تأكيد قبول نتائجها وان كان لا يوافق عليها قد يكون أهمها "تجريم" النظام السوري او عدد من العاملين فيه او حتى "افراد" من جهات لبنانية قد يكونون تصرفوا تنفيذاً أو تخطيطاً ولكن ليس تقريراً من دون علم قياداتهم. وهو اخيراً تأكيد قبول نتائجها اذا كانت هذه الاخيرة تبرئ سوريا وتطال جهات خارجية اخرى أو لا "تجرّم" أحداً لعدم كفاية الأدلة والقرائن او لعدم وجود قضية كما يقول فريق 8 آذار عادة. ويقتضي ان يرافق هذا الموقف العاقل والحكيم لـ8 آذار وتحديداً لقائده المعروف تسهيل أي موقف أو خطوة قد تطلبها المحكمة الخاصة من الحكومة أو من مجلس الوزراء بعد مباشرتها عملها سواء في موضوع المحاكمة او في موضوع التحقيق الذي يفترض ان يستمر مع المحاكمة. وبذلك يقرن هذا الفريق بل قائده حكمته وعقله فضلاً عن استنكاره للجريمة من اساسها بالترجمة العملية.
ما هي الفائدة التي يمكن ان يجنيها لبنان من كل ذلك؟
الفائدة وطنية وليست خاصة أو فئوية. فالذي جرى في لبنان منذ استشهاد الرئيس الحريري كانت له علاقة بـ"المحكمة" حتى قبل اقرارها مباشرة ومداورة. وهذا الكثير بعضه له علاقة بالخارج وبعضه له علاقة بصراعات الداخل. وكان أثره السلبي على لبنان كبيراً بل على علة وجوده ألا وهي العيش المشترك ليس بين المسلمين والمسيحيين فحسب بل بين المسلمين انفسهم اي بين شعوبه كلها. وما قد يجري الآن وقد بدأت المحكمة اعمالها في ظل احتدام صراعات الداخل بسبب الانتخابات "المفصلية" كما يقول كثيرون وفي ظل الاستعداد للحوار بين اميركا واعدائها في المنطقة والحاجة الى استمرار لبنان ساحة واوراقاً سواء "للانتصار" في الحوار أو لمواجهة فشله، يفترض ان يخيف اللبنانيين ولا سيما منهم المخلصون للوطن رغم اختلافاتهم والتناقضات والذين برهنوا ذلك ببذل المهج والارواح وبالتضحية بالممتلكات. طبعاً لا يعني ذلك ان المحكمة الخاصة ستنهي عملها في أشهر. فهي ستحتاج الى سنوات. لكن لبنان المتوافق بعضه مع بعض والمستعد والمتعاونة شعوبه يستطيع ان يساعد هذه المحكمة على تحقيق العدالة بعد كشف الحقيقة أو بعضها اذا قضت "ظروف قاهرة" بحجب بعضها او قسم مهم منها وإن بعد سنوات. أما لبنان غير المستقر بل المتقاتل فانه سيعطل قطعاً المحكمة والمحاكمة بل سيعطل أي مسعى دولي واقليمي لمساعدته وسيسهل في الوقت نفسه عودة الحياة الى نظريات لا يؤمن اصحابها بأن لبنان صالح لأن يكون دولة مستقلة وبأن شعبه ناضج لحكم نفسه بنفسه.