"الثلث الضامن" رئاسة الجمهورية هي الضمانة
يُدرك ولا شك، المنادون اليوم ببدعة الثلث "الضامن" المعطل، والذين يحاولون تكريس هذه الهرطقة الدستورية المنافية لروح الدستور ونصه، والمجافية لشروط ومرتكزات الصيغة اللبنانية، المستندة الى إرادة التواصل الوطني، المعبر عنها بواقع العيش المشترك، مقدار، ومدى خطورة هذا الطرح، المفتقر لأدوات الفهم والتشخيص على الوطن وعلى نماذج العمل والتنظيم والتسيير.
ويُدرك أيضاً ولا شك، المنظرون والمروجون لهذه البدعة التي يُراد لها التغطية على قضايا الوطن المصيرية، حقيقة الإرادة الشعبية التي اكتشفت ومنذ أمد بعيد، الهوة التي تفصل ما بين الأفكار (الشعارات) وما بين الوقائع، وما بين النظريات والمجريات، وما بين المشاريع والمآلات.
ترمي المطالبة بالثلث "الضامن" والتي تتخذ اليوم شكل "الحرص" على سلامة "المشاركة" في السلطة الإجرائية، الى تفريغ الانتخابات المرتقبة في السابع من حزيران القادم، من محتواها، والى إلغاء النظام الديموقراطي البرلماني، والى وقف العمل بمبدأ التداول السلمي للسلطة، والى شل وتعطيل منظومات المراقبة والمحاسبة، التي تميز النظام الدستوري اللبناني، نسبة الى محيطه الخاضع لأنظمة الحكم الرئاسية، التي لا تؤمن بمبدأ التداول الدوري للسلطة، ولا بضرورة مقاربة الوقائع والمجريات، أو معالجة القضايا والمشكلات والانهيارات المتلاحقة التي تستدعي التغيير، ليس فقط في عناوين المشاريع، بل أيضاً في طريقة التفكير وفي وسائل تداول الأفكار وآليات تأثيرها، في هذا المجال تبدو المطالبة بالثلث الضامن التي تنادي بها حلقة الثامن من آذار، مطالبة بتغيير طبيعة لبنان الديموقراطية، ومطالبة بتحييد وسائل السهر على احترام الدستور، التي تشكل مصدر الأمان الوطني، وموئل الضمان الدستوري، الذي يؤمنه مقام رئاسة الجمهورية، والذي هو بحق، وبحسب الدستور المرجع الأخير، الذي يسأل ولا يُسال.
في هذا السياق وفي إطار السعي الى تبيان وإيضاح مرامي ومقاصد الدعوة الى اعتماد الثلث المعطل، الذي يسعى أصحابه الى تأبيد نزعة الإقصاء من مجال التفكير، والى تكريس عقلية الحجب والاختزال والتبسيط، والاستعباد والاستئصال، تعظم الحاجة الى وجوب الالتفات الى ما تضمره هذه المطالبة المستميتة بالثلث المعطل، والى ما ترمز اليه هذه الهجمة الشرسة على واقع الاستقرار اللبناني في مجالات السياسة والقانون.
أولاً: في السياسة
تشير المعطيات والوقائع والأحداث المتلاحقة منذ ما قبل جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط 2005، وما تلا هذه الجريمة المروعة من جرائم استهدفت رموز الاستقلال الثاني، الى انحياز غالبية الشعب اللبناني، الى المبادئ الاستقلالية التي تتجسد ببرنامج حركة الرابع عشر من آذار الشعبية، الذي يتخلص بالتوق الى الحرية والسيادة والاستقلال، والى القبض على المصير. وقد عبرت هذه الغالبية عن نفسها في العديد من المحطات وبرهنت عن اقتناع الشعب اللبناني بأغلبيته الحرة، بعدالة القضية التي تدافع عنها قوى الرابع عشر من آذار، ففي الرابع عشر من شباط من العام 2005، خرجت جماهير الشعب الى الساحات بعفوية صادقة، لتندد بالجريمة ولتطالب بالحقيقة، وفي الرابع عشر من آذار من العام 2005، خرج الشعب اللبناني في تظاهرات مليونية، ليرد على ما كانت قد عنته تظاهرة الثامن من آذار. وفي انتخابات العام 2005 النيابية التي أجبر فيها الشعب على التوجه الى صناديق الاقتراع بموجب قانون انتخابات العام 2000، الذي أصرت على اعتماده حلقة الثامن من آذار، أعطت أكثرية اللبنانيين الثقة لقوى الرابع عشر من آذار، فكان الرد على نتيجة الانتخابات التي خذلت حلقة الثامن من آذار، عبر التوتير وعبر التمهيد لخلق ظروف عدم الاستقرار، وصولاً الى المجاهرة برفض العملية الديموقراطية برمتها، حيث أفصح عن المضمر بمنتهى الصراحة ومن دون مواربة، فكان القرار الشهير باعتبار الحكومة المنبثقة عن انتخابات العام 2005 غير شرعية، بعد استقالة وزراء الثامن من آذار بصورة طوعية، بغية التذرع بعد ذلك بلاميثاقية الحكومة "الفاقدة لمكون مذهبي أساسي"، وبغية إقفال المجلس النيابي بوجه الأكثرية المنتخبة وبوجه الحكومة الشرعية على حد سواء، واليوم وبعدما عبرت الأكثرية الشعبية عن نفسها في الذكرى الخامسة لاستشهاد الرئيس الحريري، بواسطة التظاهر والحشد المليوني في الرابع عشر من شباط الفائت، وبعدما كانت هذه الأكثرية قد عبرت عن نفسها بواسطة أكثر من مناسبة، خلال السنوات الأربع الماضية، لا سيما في الانتخابات الطالبية والنقابية، باتت حلقة الثامن آذار متيقنة من خسارتها الحتمية للانتخابات النيابية المقبلة، وهذا ما يجعلها أكثر تشدداً في الإصرار على طرح شرط الثلث المعطل، الذي يؤدي اعتماده وتكريسه، الى تعطيل حق الأكثرية في أن تحكم، والى تبديد واجب الأقلية في أن تراقب وأن تعارض وتحاسب، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على النية المبيتة التي ترتجي المصادرة المسبقة لنتائج الانتخابات التي لم تحصل بعد، هذا إن قدر لها أن تحصل.
ثانياً: في القانون
ليس في الدستور اللبناني ما يفيد في التأكيد على مقولة الديموقراطية التوافقية، فالديموقراطية هي الديموقراطية، وليس في الديموقراطية التي تعني حكم الأغلبية، ما يشير الى حق الأقلية بالتعطيل، ولا ينفع في هذا المجال التذرع بما نصت عليه الفقرة "ي" الواردة في مقدمة الدستور، التي تقول بلا شرعية أي سلطة تناقض العيش المشترك، فالمشترع لم يتقصد ولم يدخل في روعه أبداً، أن يمهد السبيل أمام أقلية سياسية أو أكثرية موصوفة لطائفة أو مذهب معين، تشكل أقلية على الصعيد الوطني العام، لتمارس "حق النقض"، تجاه أي عملية سياسية توجب احترامها قواعد الانتظام العام. وما يصح بالنسبة الى الفقرة "ي" من مقدمة الدستور، يصح أيضاً بالنسبة الى المادة 65 في فقرتها الخامسة التي تتكلم عن النصاب القانوني الواجب لاتخاذ القرارات في مجلس الوزراء، حيث النص على وجوب توافر أغلبية الثلثين، لاتخاذ القرارات في المواضيع الأساسية، لا يفيد بوجوب تكون ثلث معطل يقوم على أسس طائفية أو مذهبية، إنما على ثلث معطل سياسي، واستطراداً على ثلث معطل تكون غايته حفظ التوازن القائم على الشراكة الإسلامية ـ المسيحية، وليس على ثلث معطل على أساس مذهبي، كأن تكون الغاية منه إعطاء حق النقض، للشيعة أو للسنة.
ثالثاً: دور رئيس الجمهورية
رئيس الجمهورية في الأنظمة الديموقراطية البرلمانية، هو رئيس للدولة ورمز لوحدة الوطن، وهو حكم منزه يسأل ولا يُسأل، يسهر على احترام الدستور، وهو أب الجميع وهو بصفته المنزهة هذه، يشكل ضمانة وعنصراً للاستقرار الذي يمنع الجنوح والشطط، وهذا ما لا يتمتع به رئيس الجمهورية في الأنظمة الرئاسية.
وبالعودة الى أحكام الدستور اللبناني، لا سيما المواد التي ترعى عمل رئيس الجمهورية نرى في المادة 53 من الدستور وبفقراتها الاثنتي عشرة، أبرز ما يميز رئاسة الجمهورية عن الأنظمة البرلمانية، فالمادة 53 تضفي على مقام الرئاسة بعداً معنوياً سامياً ومهابة أبوية، لا تتوفر للرئاسة في الأنظمة الرئاسية، فإضافة الى السلطة الإجرائية، يتمتع رئيس الجمهورية بموجب الدستور اللبناني، بسلطات أهم وأسمى أضافها التعديل الدستوري المجرى في 21ـ9ـ2009 فالفقرة العاشرة من المادة 53، تتيح لرئيس الجمهورية عندما تقتضي الضرورة توجيه رسائل الى مجلس النواب، والفقرة الحادية عشرة من نفس المادة، تسمح لرئيس الجمهورية بأن يعرض أي أمر من الأمور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال، إضافة الى ذلك فإن المادة 56 من الدستور، تتيح لرئيس الجمهورية الطلب من مجلس الوزراء، إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس (مجلس الوزراء)، وتتيح المادة 57 من الدستور لرئيس الجمهورية، وبعد اطلاع مجلس الوزراء، حق طلب إعادة النظر في القوانين التي يقرها مجلس النواب، وبهذا نرى بأن رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور، هو الضمانة الحقيقية وهو صمام الأمان الأخير، الذي يحول دون الإخلال بأي حق من حقوق المذاهب أو الطوائف.
إن الثلث المعطل والذي يُراد له أن يكون قيداً يكبل الجمهورية، هو ثلث يستهدف وقبل أي شيء آخر، دور وموقع رئاسة الجمهورية، والتي هي برأينا أهم ما أنتجه اتفاق الطائف، الذي أعاد الى رئاسة الجمهورية هيبتها ووقارها، والذي حررها من قيود الصلاحيات التي ورثتها عن المفوض السامي الفرنسي، في مرحلة وفي زمن، لم يكن قد اجتمع فيه اللبنانيون، على ما أجمعوا عليه في 14 آذار من العام 2005.