تاريخ اكبر من التاريخ
مارون ناصيف
نعم اني اكتب عن تاريخ هو اكبر من التاريخ لأنه تاريخ امة صنعت تاريخها في بقعة متصحرة جدباء اعادت الحياة اليها كوكبة من فرسان اسمها بطاركة انطاكيا وسائر المشرق. فامام عظمتهم يسقط كل عظيم وامام شجاعتهم تنحني كل بطولة وامام تفانيهم يصغر كل اخلاص وامام ايمانهم سقطت كل احلام الباطل التي عصفت في هذا الشرق اللئيم.
وما نشهده اليوم من حملات على بكركي وسيد بكركي تعود بنا الى ذاكرة التاريخ لنقول لهؤلاء الصغار: صغار انتم ولن تنالوا ما تبغونه، صغار انتم واقزام انتم امام عمالقة هذا الشرق امام بطاركة لم تنكس جبينها امام الطغاة والملوك والأباطرة والسلاطين.
وهذا الواقع يستند الى تاريخ مستديم من الجهاد الدامي في الدفاع عن الحق والحرية والكرامة وهذا الواقع يجب ان نفهمه جميعا وهو ان المسيحية في لبنان تختلف عن المسيحية في الغرب. اننا لا نزال هنا في طور الكنيسة المجاهدة المقاومة للمحافظة على قبس من حرية وكرامة لا ذمية ولا مستعبدة ، لا يمكنك ان تحياه الا اذا كنت على استعداد دائم للشهادة والأستشهاد.
وكل ما نراه لم يكن ليكون لو لم نكن نحن اقوياء على مر مئات السنين، اقوياء بأيماننا اقوياء بحريتنا في اعلاننا عن هذا الأيمان، اقوياء بأخلاقنا المسيحية، اقوياء بفضائلنا، اقوياء باتحادنا في الصراء والضراء اقوياء بعلاقاتنا مع من جاورنا وعايشنا، اقوياء بشخصية بطريركنا زعيم الزعماء ورئيس الرؤساء مرجع كل صاحب حق ومفصل كل نزاع وخلاف. اقوياء بكل هذا قبل ان نكون اقوياء بسلاحنا ولا يمكننا ان نتصور ان تاريخا متسما بالقوة والأزدهار كان ليبقى ويستمر لأننا لم نستسلم لليأس ولم نستعبد ولم نتخاذل ولم ننم على ضيم .لم نكن ندفع الى اقتحام الخطر الداهم ولم ندخل مرة في نزاع مع الموت الا على رجاء القيامة والخلاص.
ويوم لاحظنا تخاذلا لأ حد بطاركتنا السعيد الذكر يوحنا العاقوري في اواسط القرن الرابع عشر في تصديه للماليك في غزواتهم المتتابعة على كسروان واعالي الجبال حتى انتفض الشعب والأساقفة والمطارنة وانتخبوا جبرائيل حجولا بطريركا ولم يكد يتسلم مقاليد الطائفة حتى تناول عصا السنديان وقاد الشباب الى مكافحة الذئاب وقد صد المماليك على مشارف الجبل.
وعندما عجز الغزاة عن تحقيق اي مكسب عمدوا الى نصب الحواجز واختطفوا ثلاثين شابا من الموارنة واتوا بهم مقيدين الى معقل البطريرك وهددوه بذبحهم جميعا، ان لم يستسلم فلم يتردد صاحب الغبطة وقائد المقاومة في آن من التضحية بنفسه حرصا على ارواح ابناء رعيته، انه الراعي الصالح.
فأقتاد المماليك البطريرك الى طرابلس وعمت الاحتفالات بالنصر الباهر وعد فتحا من فتوحاتهم. وفي طرابلس احرق البطريرك وذري رماده ودفنت عظامه في زاوية احد الجوامع ولا يزال قبره يعرف حتى اليوم (تربة الشيخ مسعود) بحيث يقصد هذا المقام ذوي الطلبات الخاصة ويجري الله على قبره نعما والطافا على من شاء.
هو الاشعاع المسيحي ينبثق من حس الشجاعة والأقدام ويشع من فضيلة التجرد والتفاني حتى التضحية والاستشهاد ويطمس الجبن والأنهزامية والاستكانة الى معيشة الذل والهوان.
واليوم نقول لكل المتطاولين من اي لون كانوا واي ثوب لبسوا: مهما علت اصواتكم بكركي قدس وقدس اقداس اتقوا الله في ما انتم تجهلون، توبوا الى الله استغفروا سيد الصرح انه اب الجميع وصدره يتسع للجميع ويبارك لاعنيه ويسامح طاعنيه، عودوا قبل فوات الأوان ومن لاخير فيه لمسيحيته لن يكون فيه خير لأحد.
رحم الله معلمي العلامة فؤاد افرام البستاني، كنت تلميذا له انهل منه ما استطعت. اعجبت به اي اعجاب، كنت تلميذه في السوديكو وفي الجبهة اللبنانية جبهة ضمت شارل مالك، الاباتي شربل قسيس، ادوار حنين، بيار الجميل، بشير الجميل وكميل شمعون. اشكر الله اني عايشت هؤلاء الكبار واحمل في داخلي بعضا من ثورتهم واتمنى ايصال رسالتهم الى كل اعمى واصم وابكم من رجال ادعوا انهم زعامات مسيحية زورا وبهتانا.