#adsense

سكوت… محكمة !

حجم الخط

سكوت… محكمة !

أول من آذار 2009.
قامت المحكمة الدولية من اجل لبنان. هذا يوم تاريخي بكل المقاييس. سيقال بعد الآن: ما قبل محكمة الحريري، وما بعد محكمة الحريري… ورفاقه طبعاً وكل الشهداء الآخرين الذين تساقطوا يوم كان النضال المرير من اجل قيام المحكمة يأخذ لون الدم حتى ولو كان هذا الأمر مجرد افتراض في انتظار الاحكام القانونية.

اذاً يستطيع سعد الحريري الآن ان يخلع برهة رداء آلامه الدفينة واحزانه المحوٍّمة معه في فناء ذلك البيت الذي حرص منذ الفاجعة على ان يبقيه واقفاً بمثاليه:

خلية العمل الدؤوب لمواصلة الخط البياني الوطني والسياسي والتربوي والاجتماعي الذي رممه والده الشهيد.
وإرادة الاصرار المطلق على الوصول الى قيام المحكمة ليس من اجل الحقيقة وحدها، بل لكي تكون الحقيقة في كل فصولها الوحشية والسوداء ترياق المناعة للبنان الوطن الذي اراده رفيق الحريري قلادة آسيا.

❒ ❒ ❒

يستطيع الشهداء وكل اهالي الشهداء وابنائهم ان يبتلعوا الآن جرعة المرارة المعششة في أفواههم. فلقد دخلنا ربيع فصل الدم الذي سيزهر للمرة الاولى في تاريخ هذه المنطقة المزدحمة بالجريمة الطليقة، سيزهر قوساً للعدالة يرفع حق القصاص في وجه من جعلوا من الألباب مستوطنات للقتل والدم والمقابر الجماعية.

أولم يكن لبنان اشبه بمقبرة جماعية للذين ماتوا او يعيشون كالاموات؟
ويستطيع وليد جنبلاط ميرابو المحكمة وصوتها الصداح ان يسير وئيدا الآن الى ضريح شهيد لبنان والده كمال جنبلاط بوردة وفاء حمراء وحب أبيض وان يهمس في أذنه: لنأمل ان يكون رمز العدل قد ارتفع فوق هذه المنطقة المتوحشة اخيراً، مثل قوس قزح من الأمل الذي يعطي الرجاء لذوي الوداعة وينزل الخوف في ذوي البطش والاجرام.

وتستطيع السيدة نازك الحريري أن تكسر ولو قليلاً من أنين الحزن العميق في صوتها المكلوم لأن صوت العدل سيرتفع وإن بعد حين.
اما السيدة بهية الحريري فلمنديلها الذي اختار نقاء البياض حزناً على شقيقها الآخذ نصفها واكثر معه، لمنديلها ان يجف الآن من التفجع والدموع ولو قليلاً.

ويستطيع مروان حماده ان ينزع الآن من اعماقه ذلك الإحساس الفظيع بالكآبة والألم، وهو الشهيد الحي الذي نصفه الافتراضي الخيالي مع الذين استشهدوا، ونصفه الحي المــتــوثــب والمــنــاضــل مــع الــذيــن يقــاتــلون للبنان والاستقلال.

اما رفيق الحريري فله ان يتنفس عميقاً الآن، وان يكرر عبارته المعروفة: "ما بيصح الا الصحيح". فلقد قامت المحكمة، وفي قيامها يكون، وبدمه هذه المرة، قد انجز ورشة اعمار جديدة ليس في لبنان فحسب بل في المنطقة العربية وفي العالم كله ايضا.

انها ورشة اعمار الاقتناع بالصحيح الذي بشرت به السماء والاديان. الاقتناع بان الشر لا ينتصر. وبان الجريمة لا تمر بلا عقاب، وبان الحق هو الذي يسود، وان الحقيقة هي التي تعلو، وأن القتلة، فبحبل اعمالهم معلقون.

انها ورشة اعادة التوازن الى اقتناعات اليائسين في لبنان والعالم العربي من الحق والعدل، فالمحكمة بداية تأكيد من يتأخر حصوله ان الخير هو الذي ينتصر وان من اخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ وعلى نص الادانة يُعلّق.

❒ ❒ ❒

لا، لم يُغالِ المدعي العام دانيال بلمار عندما قال في الاحتفال المدوي للإعلان عن قيام المحكمة: "ان ما نشهده اليوم هو لحظة تاريخية ليس للشعب اللبناني وحده بل ايضا للمجتمع الدولي". هذا صحيح، لان هذه المحكمة هي الاولى من نوعها لمعاقبة ارهاب الجريمة السياسية التي تروع الكثيرين في العالم وخصوصاً في هذه المنطقة البائسة.

لقد قامت المحكمة. اذاً لتصمت كل الاصوات التي حاولت ان تثير من الغبار والشكوك ما اراد ان يخنقها او يعيقها. ايضا لتتوقف كل التعليقات من دون استثناء فهذا قوس للعدل ينتصب عند قمة الشرعية الدولية. التي ستمنع بالتأكيد تحول هذه المحكمة ردهة للتبادل والصفقات تحت نظر الأسرة الدولية!

واذا كان سعد الحريري اختار ان يرتفع تكراراً الى مصاف الفروسية النبيلة وهو يقول اولا لبرنامج "كلام الناس" ثم لوكالة "رويترز"، ما معناه: لقد حاربنا من اجل قيام المحكمة وسنقبل بما تصل اليه من احكام سواء أأعجبنا ام لا، فإن على الجميع، وخصوصاً في لبنان التزام الصمت وترك المحكمة تعمل كما تؤكد القاعدة التي اوضحها النائب الحريري نفسه عندما قال:

"ان المحكمة ليست طريقنا الى الثأر والانتقام، ولن تكون مجالاً للابتزاز السياسي او المساومة على كرامة لبنان وحريته وسيادته (…) وان العدالة هي السبيل الوحيد لحماية لبنان وحريته واستقلاله من ايدي الغدر والارهاب"!
فعلاً لتكن الكلمة للعدالة من اجل الشهداء ولبنان والعالم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل