صلابة البطريرك صفير تسقط حملة تطويقه من 8 آذار
السفير البابوي أبلغ عون دعم الفاتيكان مواقف بكركي وسيدها
كلام بقرادونيان يدفع لاسترجاع تجربة (1996) مع الطاشناق
تعاطفت الكنيسة المارونية في العام 2005 وقبيل الاستحقاق النيابي يومذاك مع رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون، وفهم الناخبون المسيحيون من تحفظات البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ان ثمة تقارباً في الرؤية بينه وبين العماد عون يومذاك، على خلفية جملة مآخذ سجلها البطريرك صفير على قوى 14 آذار المسيحية فكان التصويت المسيحي العاطفي في اتجاه العماد عون وتحالفاته التي كانت مضادة للتحالف الرباعي، فحاز عندها العماد عون والمتحالفون معه اكثرية الاصوات المسيحية وتشكل تكتل التغيير والاصلاح الذي يرأسه حالياً النائب عون.
وفي العام 2007 بدأ تعاطف الكنيسة واضحاً مع قوى 14آذار، من زاوية رفضها لخيارات النائب عون من حيث انصهاره في قوى 8 آذار التي حولته الى رأس حربة في تقويض الحالة السيادية والاستقلالية، فترجم ذلك في انتخابات المتن الشمالي الفرعية لملء المقعد الذي شغر باستشهاد الوزير بيار الجميل، وساهم موقف الكنيسة غير الداعم لقوى 14 آذار، بل المتوجس من النائب عون وخياراته، في كسر الواقع التمثيلي الذي ترجم مناصفة في الاصوات بين محوري 14 و8 آذار.
وكان الاستحقاق الرئاسي احدى المحطات التي وجد فيها البطريرك صفير، ضرورة استعادة السيادة الى هذا الموقع، فكان داعماً لوصول الرئيس العماد ميشال سليمان الى قصر بعبدا، في مبادرة تهدف لتنقية التاريخ والذاكرة لدى المواطنين من مخلفات الارتهان وضرب الديموقراطية وتعزيز ثقافة الامن والقمع والدمار والفساد والمراهنات التي تكامل فيها كل من الرئيس السابق اميل لحود مع رئيس الحكومة الانتقالية العماد ميشال عون ابان تواجدها في قصر بعبدا، فكان وصول الرئيس سليمان بداية ارساء دور المؤسسات التي تسعى اليها قوى 14 آذار وتعمل على تفعيلها.
اضافة الى هاتين المحطتين، سجل البطريرك صفير جملة مواقف وانتقادات اكدت على ثوابت بكركي والدور التاريخي الملقى على كتفيه وذهبت بمعظمها في مواجهة رهانات النائب عون وارتباطاته الاقليمية المتعددة ومع «حزب الله» اذ تحوّل الى احد مناضلي معسكره الى جانب قدامى الاحزاب السيادية وفق مصادر مسيحية في 14 آذار.
وبعد ان ظهر الى العلن خيار التكتل النيابي المستقل الذي يؤيده البطريرك صفير ويجد فيه تعزيزاً لرئاسة الجمهورية من جهة واسقاطاً للواقع الانقسامي الحاد القائم في البلاد بين محوري 14 و8 آذار وجدت قوى 8 آذار بأن التزام المواطنين المسيحيين بخيارات بكركي وفهمهم لموقفها هذه المرة اي في الاستحقاق النيابي المقبل في العام 2009، من شأنه ان يعكس النتائج ويتحول النائب عون عندئذ الى زعيم الاقلية المسيحية، التي لن تتعدى كتلته النواب العشرة وبينهم «المستعارون» في دوائر الجنوب والبقاع الشمالي، ويتفرغ عندئذ العماد عون لدور «الحكواتي السياسي الذي يعزز كلامه بالامثال والروايات».
عندئذ كان لا بد من الحملة على البطريرك صفير والكنيسة من اجل ضرب صورتها وتشويه رمزية البطريرك صفير في ضمير المواطنين المسيحيين بنوع خاص، فكان الكلام المسيء في حقه، بهدف دفعه للتراجع عن مواقفه او الصمت عن الارتكابات التي يقدم عليها النائب عون في حق لبنان والمسيحيين.
وقد اشتدت هذه الحملة وارتفعت وتيرتها على البطريرك صفير بقدر ما اظهر من صلابة بتمسكه بقناعاته الهادفة لانقاذ الوطن والمسيحيين من مراهنات النائب عون وكذلك لمواجهة الرهانات القائمة عليه من محور الممانعة، بحيث اتى اعلانه عن اطلاق ماكينته الانتخابية في التوقيت ذاته مع انطلاق اعمال المحكمة الدولية، في تزامن يهدف منه النائب عون ان يقول ان حيازة محوره على الغالبية النيابية، ستشكل حتماً احد عوامل اسقاط المحكمة من زاوية رفض تأمين المتطلبات والالتزامات المختلفة التي هي على عاتق الدولة اللبنانية.
وبذلك فان تزامن انطلاق عمل المحكمة وتحقيق العدالة والافلات من العقاب، يبقى مهددا في جانب منه اذا ما فازت قوى 8 آذار بالغالبية، وتسقط عندئذ ورشة العدالة الجديدة في المنطقة.
ولكن النائب عون الذي يقود حملة تطويق دور الكنيسة وعزل البطريرك صفير، قال كلاماً مغايراً ابان زيارة السفير البابوي له، بعد ان كاشفه غاتي بان ما اعلنه عضو تكتل التغيير والاصلاح النائب نبيل نقولا، لا يعكس ابدا ما جرى تداوله في اللقاء الذي كان محدداً منذ نحو اسبوع وان ما كتبه احد قياديي التيار عن الاب شدراوي، غير صحيح ابداً لكون هذا الاسم غير موجود وهو من ابتكار عمل الاجهزة، «تلامذتها»، فكان رد النائب عون بان كاتب هذا المقال قد اسقطت عنه الصفة القيادية وقد يطرده من التيار، لانه عازم على ترشيح ذاته عن المقاعد المارونية في احدى الدوائر الشمالية منطلقاً بذلك من حسابات وخلافات مناطقية، فكان رد السفير البابوي ومساعده بان هذه تفاصيل لا تفيد بل ان ما يقوله البطريرك صفير وما اعلنه رئيس اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام المطران بشارة الرعي يلقى دعاً من حاضرة الفاتيكان وقداسة البابا بنديكتوس السادس عشر الذي اوفد البطريرك صفير لترؤس الجنازة عن راحة نفس بطريرك الاقباط الكاثوليك في مصر، في خطوة تؤكد على دور البطريرك صفير المشرقي.
اذا كانت حركة المغتربين في اتجاه العودة للبنان للتصويت لصالح خيار البطريرك الماروني صفير بدأت تقلق الفريق المسيحي في قوى 8 آذار، بعد ان هاجر هؤلاء نتيجة مراهنات النائب عون وما تلاها من مرحلة سوداء دفعت بالمسيحيين للهجرة، وان عودتهم للاقتراع ستكون حتما في اتجاه الخيار السيادي الذي تعمل على اسقاطه قوى 8 آذار، فان عون بدأ يشعر بالواقع التراجعي الانتخابي ويفصح عنه في مجالسه مع قيادييه المقربين منه، فهو منذ اليوم، يتحضر للتأقلم مع خساراته كما دائما، ويستعد للقبول بالنتائج بدءا بزحلة التي سيكون الفوز فيها للائحة 14 آذار في حين ان الوزير الياس سكاف يرفض ضم النائب سليم عون بسبب ضعفه الشعبي، وكذلك يستعد العماد ميشال عون للقبول بالفوز الساحق في دوائر كل من البترون، بيروت الاولى، والكورة في وقت ان دائرة زغرتا والتي اقصى عنها رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية القيادي في التيار الوطني الحر العميد المتقاعد فايز كرم لصالح «رئيس العائلة» تبدو لأكثر من عامل سياسي، ثقافي، تاريخي واقطاعي غير قادرة على تحقيق فوزها الكامل امام لائحة عضو الامانة العامة لقوى 14 اذار السيد ميشال معوض الا ان السقوط الذي سيصيب النائب عون سيكون في دائرة المتن الشمالي، فهو يأتي نتيجة نسيانه مواقف بنى عليها انتخاباته في العام 2005، وايضا ان توصل الفرقاء المواجهين له لتشكيل لائحة متماسكة من شأنه ان يسقط لائحته، رغم ان النائب نبيل نقولا يراهن على خرقه اللائحة منطلقا من حيازته على اصوات آل ابو جودة الذين يعتبرهم في «جيبه» كما ينقل عنه، نظرا لعلاقته بهم وروابطه العائلية والاجتماعية معهم في بلدة جل الديب واماكن انتشارهم في الدائرة.
كما ان موقف النائب اغوب بقرادونيان بدأ يخلق حالة من عدم الثقة ضمن صفوف حلفائه في اللائحة منذ اليوم بعد تكرار موقفه بأنه حزب الطاشناق سيصوت لشخص النائب ميشال المر، بما دفع بعدد من المرشحين الارثوذكس لعدم الإنضمام الى اللائحة لكونهم في عداد الخاسرين حكما، وان كان النائب بقرادوني يأمل من هذا الواقع التحالفي حماية ذاته والعودة الى المجلس النيابي، فإن المناخ الذي يسعى على تعزيزه في المنطقة لناحية تركيزه على الجرح الذي اصاب الطاشناق من جراء موقف الرئيس امين الجميل، سيرتد على الحزب هذه المرة، ففي ضوء رفض الكنيسة لخيارات النائب عون، وتشكيل لائحة متماسكة مواجهة له يضاف اليها ردة الفعل الشعبية على دعوة بقرادونيان الرئيس الجميل للإعتذار، اذ ستعمل هذه العوامل التي ستتكامل مع بعضها على اسقاط لائحة التيار الوطني في المتن الشمالي، ناهيك عن وجود مناخ سياسي رافض لأداء حزب الطاشناق ومواقف النائب بقرادونيان من شأنه ان يسترجع حكما تجربة العام 1996 النيابية التي مكنت مرشح حزب الطاشناق يومها بالفوز بأصوات لا تتعدى الآلاف الثلاثة على خصمه الارمني.
ارتياح مسيحي لمرجعية سليمان ويضاف ايضا الى هذه العوامل، الارتياح المسيحي لوجود الرئيس سليمان في سدة الرئاسة بحيث اسقط تواجده هذا في قصر بعبدا، حالات الزعامات الدفينة، واضحى مرجعا وطنيا وللقوى المسيحية ايضا.
وبذلك فإن شعارات استعادة الحقوق لم تعد قابلة للإستعمال، بما سيدفع المواطنين للتصويت نحو خيار الدولة والعدالة والسيادة والاستقلال غير المدرجة لديه على لائحة تحصينهم وحمايتهم بل هو عمل على تقويض الدولة من خيار ممارساته وتحالفاته وسياساته.