انطلاق عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يحمل في طياته أكثر من مؤشر ورسالة
إصرار دولي على ملاحقة مرتكبي جريمة الحريري بمعزل عن التبدلات السياسية الدولية
حملت مراسم مناسبة إطلاق عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان رسمياً من لاهاي أول امس، في طياتها، إغلاق صفحة حافلة بجرائم الاغتيال السياسي وأساليب الترهيب المبتكرة ضد اللبنانيين، وبداية صفحة جديدة لا تخلو من محاولات صعبة ومعقدة للتهرب من الملاحقات القضائية الدولية ولتعطيل مفاعيلها، ولكنها تحمل في ثناياها، أكثر من مؤشر ورسالة وفي اتجاهات عديدة، في هذه المرحلة الإقليمية والدولية والمعقدة، أولها يعبر بوضوح عن إصرار المجتمع الدولي على التجاوب مع رغبات أكثرية اللبنانيين في وقف مسلسل جرائم الاغتيال السياسي، الذي سيطر على لبنان طوال مدة هيمنة القوات السورية عليه في العقود الثلاثة الماضية، والتأكيد على ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم والاقتصاص منهم، بعدما كان ذلك متعذراً في السابق، بسبب سياسة التفاهمات الدولية، التي أتاحت لهؤلاء القتلة التحرك بحرية، لتنفيذ مآربهم في السيطرة على الشعب اللبناني بالقتل والترهيب واستباحة لبنان لحساب مصالحهم الإقليمية.
فلأول مرة، تجاوبت الامم المتحدة مع الشعور اللبناني المتنامي بالإنتقاض العام على جرائم الاغتيال السياسي، المتهم بارتكابها شعبياً وسياسياً النظام السوري، وبعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما مباشرة، الى المبادرة لتأليف لجنة تحقيق دولية في هذه الجريمة الإرهابية التي هزت لبنان والعالم، واتبعتها بسلسلة اجراءات لتشكيل محكمة دولية، غير آبهة بكل اساليب الترهيب والقتل، التي مارسها النظام السوري لمنع إستكمال قيام هذه المحكمة بشكلها النهائي، لتفادي الملاحقة القانونية والادانة الدولية في هذه الجرائم والتهرب من تبعاتها وتداعياتها السلبية.
وثاني هذه المؤشرات، هو فصل المجتمع الدولي بين المتغيرات الاقليمية والدولية الممكن حدوثها من جراء تبدل التعاطي الاميركي مع دول معنية بهذه الجريمة في المنطقة كسوريا مثلاً، وبين مسار ملاحقة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الحريري وسائر الجرائم الاخرى، بالرغم من كل ما يروج من قبل النظام السوري عن مقايضات، او تسويات يجري التحضير لها على حساب المحكمة الدولية في ضوء المتغيرات المذكورة، للتهرب من الملاحقات القضائية الدولية المستندة الى نتائج التحقيقات المكثفة التي قامت بها لجنة التحقيق الدولية طوال مدة عملها خلال السنوات الثلاث الماضية ضد مرتكبي هذه الجريمة الفظيعة.
فالاعلان رسمياً عن بدء موعد عمل المحكمة الدولية، وتسارع التحضيرات الجارية لملاحقة المتهمين، يعطي دلالة واضحة، ان مسار عمل المحكمة منفصل كلياً عن التحركات السياسية والديبلوماسية الجارية في المنطقة، وهذا ما سيظهر في القريب العاجل من خلال النتائج الاولية لبدء عمل المحكمة الدولية، وسيفاجئ به كل من راهن على اجراء تسويات او مقايضات في الملفات الاقليمية، كما يجري الحديث عن ذلك علناً وبالتواتر، للتهرب من الملاحقات القضائية الدولية المرتقبة في هذه الجريمة الارهابية، واقوى دليل على صحة هذا التوجه، ما يحصل حالياً من خلال اصرار المدعي العام الدولي على اصدار مذكرة توقيف ضد الرئيس السوداني عمر البشير، بالرغم من كل المناشدات والتدخلات العربية والدولية منع حدوث ذلك حالياً.
اما المؤشر الثالث، والمهم في انطلاق عمل المحكمة الدولية في هذه المرحلة بالذات، فهو نجاح اللبنانيين في مساعيهم وجهودهم المتواصلة لقيام هذه المحكمة، على امل ان يؤدي هذا الحدث المهم والاول في تاريخ لبنان والمنطقة على حدٍ سواء، في وقف مسلسل الاغتيالات السياسية ووضع حدٍ لكل محاولات الترهيب التي تمارسها دول مجاورة، لتكريس سيطرتها وهيمنتها على الشعب اللبناني كما حدث في السنوات الماضية.
فالنجاح الذي حققه اللبنانيون من خلال انطلاق عمل المحكمة الدولية عملياً نتيجة صمودهم وتضحيات شهدائهم المتواصلة على مرّ السنوات الأربع الماضية، وبالرغم من كل الحروب المتنقلة التي أشعلها النظام السوري بالواسطة في معظم المناطق اللبنانية، لن يقتصر هذا النجاح في ملاحقة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الجرائم الأخرى من قبل أكبر منبر دولي للعدالة في العالم فقط، بل يتعداه إلى توظيف هذا الحدث الاستثنائي والمميز في تاريخ لبنان والمنطقة، لمواصلة الجهود المبذولة لتكريس سيادة واستقلال بلدهم بشكل كامل، من خلال المضي قدماً في كل ما يتطلبه ذلك من عمل مشترك وتضحيات منتظرة ومواجهة كل محاولات التدخل المباشرة والمموهة من قبل النظام السوري، للالتفاف بشكل أو بآخر على نتائج المحكمة الدولية، التي ستدق بابه، عاجلاً أو آجلاً لمساءلته عن ارتكاباته ضد الوطنيين اللبنانيين، استناداً الى التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الدولية والأدلة التي حصلت عليها، كما ورد ذلك في أكثر من تقرير بهذا الخصوص.