ألم يحن أوان التوحد حول المحكمة الدولية؟
تكاد أن تكون ردات الفعل على بدء عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان محسوبة مسبقاً من قبل فريق كان قد بكّر في تحديد موقفه من قضية المحكمة التي هي بامتياز قضية العدالة لا سيما في لبنان والمنطقة.. وهذا الفريق منذ أن اختار الاستقالة من حكومة الرئيس السنيورة الأولى استحضر أدبيات كثيرة كان يغطي من خلالها حقيقة مواقفه المنحازة الى من أدين سياسياً بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث لم يستطع هذا الفريق إخراج مسألة المحكمة واستطراداً العدالة من حالة التسييس التي يعانيها.
أوساط سياسية مطلعة على حقيقة المواقف التي سُجلت منذ تحديد الأول من آذار الجاري موعداً لانطلاق المحكمة الدولية في لاهاي استغربت كيف أن الأكثرية في فريق الثامن من آذار ما تزال تبحث عن شيء ما يؤشر الى امتعاضها من هذه الانطلاقة كأن تصر على التشكيك بإمكانية عمل هذه المحكمة خارج إطار تأثرها السياسي بالمناخ الدولي وبما سمي الهيمنة الأميركية على مؤسسات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. فضلاً عن الإثارة اللافتة لما يسمى ملف الضباط الأربعة.
وتلفت الأوساط الى المنهج المريب الذي تعتمده جهات في الأقلية عندما تتناول مسألة الضباط حيث تدعو الى ضرورة إطلاق سراحهم على يد القضاء اللبناني خشية أن يطلقوا من قبل العدالة الدولية، وفي ذلك حسب تلك الجهات مهانة للقضاء المحلي. وتقول الأوساط إن المؤسسات القضائية التي تحاول بعد أن تسلطت عليها الوصاية السورية الخروج من تبعتها منذ الانسحاب السوري من لبنان تحت ضغط جماهير الرابع من آذار يجب أن يقدم لها العون الدائم والمستمر لا الانسياق وراء حملات التشكيك والترغيب والترهيب.. فأي كلام يشتم منه الغمز من قناة القضاء في مرحلة إعادة البناء وتصليب عوده وتطهيره من بقايا نظام الوصاية يعتبر عرقلة موصوفة لقيام ركن أساسي في الدولة القادرة والعادلة وهو ركن القضاء.
وتشير الأوساط الى منهج آخر تعتمده المعارضة في مواجهة ملف المحكمة الدولية من زاوية احتجاز الضباط الأربعة حيث يحمّل البعض فيها القضاء اللبناني بشخص المحقق العدلي مسؤولية استمرار الاحتجاز، ويحيلون القضية الى ضمير هذا المحقق أو ذاك، فيما البعض الآخر يحمل القضاء مسؤولية عدم إطلاق سراح الضباط، الأمر الذي يعني تهديداً مبطناً لقضاة محددين وظيفتهم إحقاق العدالة، فلو كانوا يملكون شيئاً أو حقائق تبرّئ هؤلاء الضباط لما أبقوا على احتجازهم لحظة. فأي حديث عن وضع هذه المسألة برسم ضمير هذا أو ذاك من المحققين يعني تدخلاً سافراً في مسار القضاء وتهديداً مباشراً للعاملين في إطار هذه السلطة التي تناضل منذ الخروج السوري من لبنان لتغدو سلطة مستقلة لا تقوى سلطة أخرى شرعية أو غير شرعية على التعرض لها.
وترى الأوساط أن إصرار فريق الثامن من آذار على التحذير المستمر، لا بل التهويل من مغبة تسييس المحكمة، شعار حق يُراد به باطل، ومن أضعف الايمان أن شعار التسييس ليس حكراً على المعارضة، فإذا تم التعاطي معه كحق فالفريق المعني أكثر من غيره بالمحكمة معني أيضاً بهذا الشعار على اعتبار أن الجريمة التي عقدت من أجلها هذه المحكمة استهدفت قادة أساسيين فيه.. فالخشية من التسييس لدى فريق الرابع عشر من آذار كبيرة جداً على اعتبار أن التجربة مع الجهة المتهمة سياسياً بجرائم الاغتيال تفضي الحذر لأنها مستعدة لإبرام صفقات لا تتوانى فيها عن التنازل عن كل شيء مقابل المحافظة على مصالح النظام والأشخاص والقوى السياسية.
وتستغرب الأوساط كيف تعتبر المعارضة أن الموالاة تستخدم ورقة الضباط الأربعة وسيلة ضغط عليها في الانتخابات النيابية المقبلة، وكأن القضية هي احتجاز الضباط وليس استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، أو هي عنوان للمعركة الانتخابية اشترطت خلالها المعارضة الإفراج عن هؤلاء الضباط، وهي ستخسر تلك الانتخابات في ما لو لم يُفرج عنهم وعندها تصبح القضية قضية عدالة مشكك بها. وقالت إن قضية هؤلاء الضباط يجب أن يُنظر لها من زاوية نظام أمني كان يمسك تقريباً بكل شيء قبل سنوات وحتى عشية البدء بجرائم اغتيال ومحاولة اغتيال شخصيات سياسية من وزن الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وخلصت الأوساط الى دعوة الجميع ولا سيما فريق الثامن من آذار الى ترك كل التفاصيل المتعلقة بالمحكمة الدولية الى القضاء الدولي وبقاء الجميع متيقظاً من إمكانية التسييس التي تضر أيضاً بأصحاب القضية.. فيجب عدم الربط بين قيام المحكمة ومسألة الدفاع أو الهجوم على الضباط الأربعة ونظام الوصايا، فيكفي ما قام به البعض لإعاقة انطلاقة المحكمة في ما مضى.. ألم يحن الأوان بعد للتوحد خلف المحكمة الدولية والعدالة والوقوف صفاً واحداً بانتظار حكم المحكمة؟؟!