المحكمة في اليوم التالي: ليس شخصاً… انه قضية
في اللحظة التي انتهت فيها مراسم انطلاق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بعد ظهر امس في ضاحية لاهاي – لايشندام، تشعّب الاهتمام المتصل بمسار المحكمة ليصل الى قضية السودان وموعد غد في الرابع من آذار حيث ينتظر ان يصدر عن المحكمة الجنائية الدولية قرار في شأن طلب توقيف الرئيس السوداني عمر البشير على خلفية اتهامه بإرتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الانسانية.
ولم يكن الاهتمام بموضوع السودان ناشئا عن رغبة في تقويم الاتهامات بمقدار ما كان، بالنسبة الى عدد من الديبلوماسيين الذين حضروا مراسم انطلاق المحكمة الخاصة بلبنان، متعلقا بالمسارات التي تتخذها العدالة الدولية، ولا سيما عندما يتعلق الموضوع بالرؤساء الذين يتمتعون مبدئيا بحصانات المنصب الذي يحتلونه.
ولعل احد الاسئلة التي وجهت الى المدعي العام في محكمة لبنان دانيال بلمار حول حصانات المسؤولين، قد طرح في ضوء السابقة السودانية، وفي الخلفية اقتناع الراسخ بمسؤولية القيادة السورية في اعلى مستوياتها عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر شهداء "ثورة الارز" في لبنان.
وقد يكون اجماع عدد من الخبراء القانونيين في لاهاي الذين حضروا الاحتفال بإنطلاق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، على ان القرار بإصدار مذكرة توقيف دولية في حق الرئيس عمر البشير قد بات امرا واقعا، وان يوم غد الاربعاء سيكون موعدا مفصليا حيث سيصدر القرار عن المحكمة بناء على طلب المدعي العام…
ولا يبدو ان مواقف المسؤولين السودانيين، ولا سيما تلك التي تتصف بحدة لافتة مثل تهديد وزير الدفاع بأنه "سيحطم المحكمة"، ستعدّل من مسار القضاء الدولي في ما يتعلق بلائحة الاتهامات التي سيقت ضد الرئيس عمر البشير..
وأياً يكن من امر، فإن التطور على مستوى انطلاق المحكمة الخاصة بلبنان، وتزامنها مع التطور الكبير على مستوى مذكرة التوقيف بحق البشير، يؤشران الى ان ثمة مسارات دولية بدا انه من الصعب ان تتوقف، وان طال امد الوصول الى نتائج ملموسة لإحقاق العدل..
ظهر يوم الاحد الفائت كان لبنان على موعد مع امل جديد، نابع من استثنائية الحدث والمؤسسة المعنية اي المحكمة التي بدا لكل من التقى دانيال بلمار مباشرة بعد الاحتفال انه يتحاشى ببراعة كبيرة الكشف عما يملك من ادلة، وبالتالي فإنه يحيط خطواتة المقبلة بكثير من الغموض المقصود لانه يعرف اكثر من غيره ان الخصم ليس مجرد مجموعة اشخاص لا عمق لهم بل "شبكة"، بمعنى انها تمتلك مواصفات العمل المنظم تحريضا وتخطيطا وتنفيذا… وهذه الشبكة لم تغتل رفيق الحريري وحده بل ان التحقيق الدولي تمكن من الربط بين اغتيال الحريري وعدد من الاغتيالات او محاولات الاغتيال الاخرى ليس اقلها اغتيال جبران تويني، ومحاولة اغتيال مروان حماده…
وقبل ان اغادر بيروت الى لاهاي اتصلت بالاستاذ غسان تويني واستأذنته للذهاب الى لاهاي كونها صفحة مفصلية في تاريخ لبنان ما كنت ارغب في ان تفوتني حضورا لكي اتلمس الحدث بنفسي… وقلت له: هذه سابقة في تاريخ القضاء الدولي ان تنشأ محكمة خاصة لمقاضاة قتلة شخص. فقال: ليس شخصا، انه قضية… فأذهب الى لاهاي".