حق الشعب اللبناني في تقرير مصيره وفقا لقواعد القانون الدولي العام
المحامي جورج ابو صعب
ان اهم سمات حركة ثورة الارز وتجمع قوى 14 اذار في لبنان تتمثل في صرخة شعب حي يريد العيش بحرية وبكرامة في ظل دولة يناضل ويكافح من اجل ان تكون ديمقراطية عصرية الحكم فيها للقانون والمؤسسات.
فما هي المرتكزات القانونية التي يمكن ان تستند اليها حركات التحرر الشعبية في العالم وما هي الاسس القانونية التي تدعمها انطلاقا من مبدأ جوهري في القانون الدولي الا وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها.
اولا: في الطبيعة الالزامية للقاعدة القانونية بحق الشعب في تقرير مصيره.
ان مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها يعتبر في عصرنا الحالي من ابرز واهم المبادئ التي تحكم العلاقات الدولية وهي تأتي في مصاف مبادئ جوهرية اخرى ترعى العلاقات الدولية كمبدأ عدم اللجؤ الى القوة في تسوية النزاعات بين الدول ومبدأ التسوية السلمية للنزاعات الدولية (ميثاق الامم المتحدة).
وتوجه الفقه والقضاء الدوليين في القرن الماضي الى حد اعتبار القاعدة اعلاه الزامية التطبيق والاحترام من قبل كافة الدول والمنظمات الدولية.
فالحق بتقرير المصير ينطوي في القانون الدولي على فكرتين:
أ- الاولى: حق اي شعب في تقرير التحاقه او انضمامه لدولة.
ب- الثانية: الحق المستمد من سيادة الشعب في تقرير الدولة التي يريدها.
وقد اسس هذا المبدا النهضة المناوئة للاستعمار في اواسط القرن الماضي وادى الى احداث تغييرات كبيرة وجذرية في المجتمع الدولي بين عامي 1950 و1960 من القرن المنصرم.
وقد ظهر هذا المبدأ على انقاض فلسفة وعي القوميات le principe de l”eveil des nationalites بحيث ان لكل امة الحق في تكوين دولة سيدة ومستقلة. لكن هتلر اساء استعمال هذا المبدا عندما استند الى فلسفة الامة الالمانية الارية لمحاولة ضم دول مستقلة انذاك لكن شعبها متحدر من اصول جرمانية ذات لغة المانية.
فمن الثورة الفرنسية الكبرى (1789) مرورا بالرئيس الاميركي ولسون (الذي كرس البعد السياسي لمبدا وعي القوميات عشية دخول الولايات المتحدة الاميركية الحرب الكونية الاولى) وصولا الى سقوط وتفسخ الامبراطورية العثمانية في الشرق غداة الحرب الكونية الثانية، برز مبدا حق الشعوب في تقرير مصيرها الى حيز الوجود بقوة بفعل الفقرة الثانية من المادة الاولى من ميثاق الامم المتحدة التي نصت على "تنمية علاقات الصداقة بين الامم على اساس مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها".
فمنذ هذا النص تعاقبت النصوص الدولية القانونية التي اكدته وطبعته بطابع الزامي استنادا للطبيعة الملزمة للقرارات والمعاهدات الدولية التي كرسته ومنها:
1- قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 1514/تاريخ 14/12/1960 والمعروف بالاعلان الخاص بمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة.
2- العهود الدولية حول حقوق الانسان المعتمدة بتاريخ 16/12/1966.
3- قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 2625/تاريخ 24/10/1970.
ثانيا: ابعاد المبدأ قانونيا وتطبيقاته في الواقع اللبناني في ضوء فكرة ثورة الارز.
في ضوء الواقع السياسي الحالي في لبنان وانقسام الرأي العام بين الحركة التحررية الاستقلالية التي تمثلها ثورة الارز والحركة الممانعة التي تمثلها قوى 8 اذار، نرى ان مبدا حق الشعب في تقرير مصيره الحر والسيد يعطي للقاعدة القانونية افضل تطبيق واقعي لان ما يحصل على الارض في لبنان يقع تحت شرعية هذا المبدأ القانوني الدولي الالزامي في احترامه داخليا وخارجيا. فمبدأ حق الشعب اللبناني في تقرير مصيره ينطوي قانونا على ابعاد اربعة:
1- حق الشعب في اختيار حكومته (وقد كرس الدستور اللبناني النظام البرلماني الدستوري الذي يعطي الشعب الحق في اختيار حكومته من خلال الانتخابات البرلمانية التي ينبثق منها مجلس نيابي ينتخب بدوره النخبة الحاكمة في البلاد). وبالتالي عدم تمكين الشعب من اختيار حكومته خرق لمبدأ قانوني دولي خاصة متى جاء هذا المنع من طرف دولة او دول أجنبية.
2- حق الشعب في استشارته عند اي تنازل عن قسم من اراضيه: وقد نص الدستور اللبناني (الذي هو النظام القانوني الاسمى للدولة) على عدم جواز التخلي او التنازل عن احد اقسام الاراضي اللبنانية.
3- حق الشعب في الحماية ضد اي تدخل خارجي: وبذلك نجد فلسفة ثورة الارز مبنية على قاعدة حماية لبنان من اطماع الاخرين به وبشعبه، فارادة الشعب هي التي تحدد مصيره (الدستوري الفرنسي كاريه دو مالبرغ
CARRE DE MALBERG – Contribution a la theorie de l”Etat- tome 1 – pp. 20) ) – وارادة الشعب اللبناني الحر اليوم تسعى لحماية الوطن والامة من اطماع توسعية من جيرانها واعدائها وهذا في صلب مبدأ حق الشعب في تقرير مصيره الذي يلزم المجتمع الدولي باحترام ارادة شعب يقرر بيده مصيره بالاستقلال عن الاخرين لبناء دولة قررها له. وفي هذا السياق يؤكد الاجتهاد القضائي الدولي المعاصر قاعدة الزامية احترام مبدأ حق الشعب في تقرير المصير والاعتداد به امام الغير. ففي قرار لمحكمة العدل الدولية بتاريخ 30/6/1995 حول مسألة تيمور الشرقية حكمت المحكمة الدولية بالاقرار بان مبدأ حق الشعب في تقرير مصيره يحتج به امام الجميع droit erga omnes وهو من المبادئ القانونية الاساسية للمنظومة القانونية الدولية المعاصرة.
4- حق الشعب في التحرر من السيطرة الاجنبية: وقد اكدت المادة (2) من القرار الدولي رقم (1514) حق الشعب الخاضع لوصاية بالتحرر وبالوصول الى الاستقلال والى تحديد حر وسيادي لنظامه السياسي ولشروط نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ثالثا: اليات حماية مبدأ حق الشعب في تقرير مصيره:
ذهب القرار الدولي رقم (2625) الى حد تشريع الحق للشعوب التي تود ممارسة حقها في تقرير مصيرها في البحث وتلقي مصادر مساعدته ودعمه وفقا لاحكام شرعة الامم المتحدة، فيما القرار رقم (1541) يرسم الاساليب التي يمكن من خلالها لارض غير مستقلة بحيث يمكن لها ان تصبح:
– دولة سيدة ومستقلة.
– او الانضمام بقرار حر الى دولة مستقلة.
– او التشارك بقرار حر مع دولة مستقلة.
فالمهم بالنسبة للقانون الدولي ان يكون الشعب المعني قد عبر بحرية عن خياراته المصيرية. وقد اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأي استشاري لها عام 1975 بان تقنية الاستفتاء وان كانت من افضل التقنيات لذلك الخيار الا انها ليست الوحيدة ولا الالزامية. من هنا تأتي اهمية الالية التالية للاستفتاء وهي الانتخاب للهيئة الحاكمة التي سوف تجسد طموحات الشعب في تقرير مصيره الحر والسيد والمستقل.
خاتمة: من مجمل التحليل اعلاه يتبين لنا بان الشعب اللبناني مدعو اليوم الى ممارسة ليس فقط خيار له بل حق قانوني وشرعي له بتقرير مصيره ومصير دولته: فالقانون الدولي بنصوصه ومؤسساته وقضائه وفقهائه يعطي الحق للشعب اللبناني الحر، شعب ثورة الارز بممارسة حقه في تقرير اي دولة يريد واي هوية قومية يريد واي نظام قانوني وسياسي يريد. كما ان القانون الدولي يلزم المجتمع الدولي والدول القريبة والبعيدة باحترام حق الشعب اللبناني بقول كلمته، تلك الكلمة التي سوف تستقبلها صناديق الاقتراع في 7/6/2009.