الناخب "المرجع" للنظام ؟
من الطبيعي جداً أن ينتظر جمهور 8 آذار الانتخابات النيابية المقبلة كموعد لهزيمة قوى 14 آذار التي ينظر اليها كسلطة "معادية" لم يوفر زعماء 8 آذار وسيلة إلاّ واستعملوها في إظهار هذه "السلطة" كوجه بشع للحكم الأكثري.
ومن الطبيعي أكثر ان يتوق جمهور 14 آذار الى 7 حزيران المقبل كموعد لتسديد ضربة قاصمة الى قوى 8 آذار التي ينظر اليها كسلطة أمر واقع "انقلابية" أمعنت في تعطيل مشروع الدولة ولم توفر قوى الأكثرية وسيلة إلا واستعملتها في إظهار هذه "المعارضة" كوجه قاتل للارتباط بقوى اقليمية وعربية.
لذا تختلف المعايير الواقعية للمعركة الانتخابية البادئة على نار خفيفة حتى الآن عن المعايير التي طبعت انتخابات 2005 التي كانت في عنوانها الأكبر الجارف استفتاء جذرياً ضد الهيمنة السورية على لبنان. وقد اكتسبت تلك الانتخابات اهميتها "التاريخية"، اذا صح التعبير، من كونها حملت أكثرية سيادية واسعة رغم اختراق "التفاهم الرباعي" لمعاييرها، فبدا ذلك "التفاهم" مخلوقاً غير طبيعي، وضاعف أهميتها أن "التيار الوطني الحر" حصد الأكثرية الكبرى في نتائجها المسيحية محمولاً.
مع انقلاب الأحوال بعد أربع سنوات، تشكل معايير الدورة المقبلة للانتخابات فرادة ديموقراطية ودستورية سيكون معها الناخب اللبناني على موعد مع اكتساب صفة لا يخوله إياها الدستور في النص فيما تأتي الظروف الواقعية لتمنحه إياها. فليس في الدستور اللبناني ما يعطي الناخب مرجعية الفصل في الخلافات الكبرى على تفسير الدستور واستقامة العمل السلطوي تبعاً لنصوصه ومواده. اما في الواقع السياسي فان هذا الناخب سيكون مدعواً هذه المرة للتحكيم بين مفهومين سلطويين متناقضين، احدهما يقول بالحكم الطبيعي التقليدي بين غالبية حاكمة وأقلية معارضة، والآخر يقول بحكم توافقي دائم بين أي أكثرية وأي أقلية في ما يسمى الديموقراطية التوافقية. هذه الانتخابات قد تكون أولى التجارب المهمة التي يذهب فيها الناس الى صناديق الاقتراع لصنع مشاريع الدولة أياً جاءت نتائج الانتخابات. لم تعد تستقيم مع هذا المعيار معادلة "الموالاة والمعارضة" التي سقطت سقوطاً مدوياً مع تجربة الحكومة الحالية. ففي هذه الحكومة ثمة سلطة أشد اقتداراً وسطوة لدى المعارضة من سلطة الموالاة.
وفي هذه الحكومة ذاب مفهوم الموالاة والمعارضة وبرزت المفاعيل العملية لوجود "أكثريتين" بفضل "ثلث معطل"هو ابتكار لبناني خالص خارج كل المفاهيم الديموقراطية السوية والطبيعية، الذي وضع الدستور والحكم في خدمة تجربة هجينة. لكن أفضل ما قدمته هذه التجربة هي انها كشفت عجز المرجعيات والمؤسسات الدستورية قاطبة عن الاضطلاع بالحد الأدنى من وظائفها وأدوارها أمام معادلة الأمر الواقع الشاذ، ولم يعد هناك من إمكان للفصل في هذا التشابك الخيالي للتناقضات إلا عبر صناديق الاقتراع. فهناك فقط سيتم اختبار مدى قدرة الناس على وعي خطورة الصوت الذي يقترع لمشروع دولة هذه المرّة، وكذلك على إسقاط او تثبيت هذا المفهوم الهجين للسلطة.
ولعل أشد ما سيواجه الناخب صعوبة في هذا الاختبار هو التغلب على دعاية مفرطة يتقنها اصحابها ويبرعون فيها، مع مزجهم الدعائي بين العامل الميثاقي والعامل السلطوي. فمقولة الديموقراطية التوافقية تتلاعب بشدة خطيرة بالعامل التوافقي سعياً الى كسب الانتخابات حتى باستمالة الجمهور الخصم على أمل القبض على السلطة من دون المغامرة المكلفة بأثمان تغيير النظام الذي يبدو واقعاً الوجهة الحقيقية النهائية لمشروع 8 آذار.
ولن يكون من مردّ لهذا المفهوم سوى اقتراع على أساس النظام الحقيقي ونشله من متاهة انقلابية محققة بالكامل هذه المرّة.