تسهيل انتقال الضباط وإقرار مذكرة التفاهم يعكسان تكيّف الوضع مع الانفتاح على سوريا
يعيش لبنان مجددا عصر المحكمة الدولية، تماما كما حصل عند صدور القرار 1757 الخاص بانشائها. وعلى ايقاع المحكمة، عاد الانقسام بين القوى السياسية حول المسار الذي يمكن ان يذهب اليه الوضع اللبناني، في ضوء التجاذبات الحاصلة أصلاً بين هذه القوى. وجوهر الخلاف يكمن في مدى انعكاس هذه الانطلاقة على الوضع الامني، ويتعاطى الامنيون والسياسيون المتابعون هذا الانعكاس على مستويين.
الاول ان ظروف انطلاقة عمل المحكمة تختلف جذريا عن انطلاق المحكمة بعد طلب الحكومة اللبنانية اثر اجتماع لمجلس الوزراء انسحب منه الوزراء الشيعة، يوم اغتيال النائب جبران تويني. حينها كانت العلاقة اللبنانية مع سوريا وعلاقة المجتمع الدولي بها متردية الى الحد الذي انعكس خلافا، ساهم في تفجيره توالي التفجيرات واستهداف شخصيات في قوى 14 آذار.
اما اليوم، فانطلاق عمل المحكمة رسميا من لاهاي، يترافق مع ما تشهده سوريا من انفتاح اميركي واوروبي وعربي عليها، وخصوصا من جانب السعودية، التي كانت اول من اطلق حملة تمويل المحكمة وتأمين متطلباتها المالية للسنة الاولى، بعد تعثر في التوصل الى مصادر التمويل اللازم. وهذا الانفتاح، يساهم في تخفيف التوتر السوري حيال المحكمة الدولية وتاليا يقلل انعكاس تداعيات المحكمة على الوضع اللبناني الداخلي، في ضوء ترقب اقرار مذكرة التفاهم بين المحكمة والحكومة، لتسهيل عمل المحكمة، وانتقال الضباط الاربعة الموقوفين الى خارج لبنان.
وتتحدث مصادر امنية واسعة الاطلاع عن تدابير امنية اتخذت لتأمين انتقال الضباط الى لاهاي بناء على طلب المحكمة الدولية، خشية أي عمل امني يرمي الى منع لبنان من تسليم الموقوفين . لكنها في المقابل تشير الى ان هذه التدابير لا تمنع استبعاد قيام أي طرف بعرقلة عمل المحكمة في صورة علنية وغير ملتبسة. وتلفت الى ان السجال حول هذا الانتقال سيبقى قانونيا وسياسيا، لكنه لن ينتقل الى مستوى منع لبنان قسريا وعبر أي عمل امني، من التجاوب مع طلب المحكمة الدولية.
وفي اعتقاد اوساط سياسية ان لبنان نال المحكمة الدولية وإن بالتقسيط، وقد يشهد في هذا الاطار ايضا بعض الممانعة في اقرار الوثيقة من دون ان يؤدي ذلك الى حد رفضها كليا من فريق المعارضة الذي يصر على تكرار اعلان تأييده المحكمة الدولية. وتتوقع هذه الاوساط ان يصار تبعا لذلك الى التصويت على المذكرة من دون صدورها بالاجماع.
وتلفت الى ان كل الاشارات التي تأتي من المعارضة في لبنان او من جانب سوريا، لا تنبىء باحتمالات العرقلة، اقله في الوقت الراهن. اذ لا مصلحة للطرفين في ان يخوضا أي معركة مكشوفة مع القضاء الدولي، الذي يتحرك في اكثر من اتجاه، كالرئيس السوداني عمر البشير، في وقت تريد سوريا ان تقدم للمجتمع الدولي صكا مسبقا ببراءتها. ومن هذا المنطلق لا توقعات جدية باي عرقلة امنية مع انطلاق المحكمة، بدليل ان يوم الاول من آذار مر بهدوء، ومن دون أي حادث امني، في ظل الاستنفار الذي كانت اعلنته القوى الامنية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع اطمئنان الافرقاء المقربين من سوريا الى ان عمل المحكمة بدأ، لكنه لن ينتهي قبل 5 اعوام، وهذا يعني ان لا استعجال في حرق المراحل، ما دام الوقت امام سوريا وليس وراءها، بعدما انقلبت الاوضاع رأسا على عقب منذ عام 2005 وحتى 2009.
اما المستوى الثاني من التعامل مع عمل المحكمة فلا يزال محكوما بجملة مخاوف من الا تمر انطلاقة عملها بالسهولة التي يمكن ان يتعامل معها بعض الاوساط في لبنان. فالحوار السوري مع السعودية وواشنطن لا يزال في بداياته، والموفدون الاميركيون ينقلون الى لبنان تطمينات بان أي حوار لن يكون على حساب المحكمة الدولية، لكن ذلك لا يمنع ان مؤشرات هذا الحوار لا تزال في بداياتها، وسوريا لم تقدم حتى الآن أي ثمن ملموس على الساحة اللبنانية. والعنصران المهمان في أي حوار مع دمشق هما المحكمة الدولية والانتخابات النيابية. وفي اعتقاد متابعين لهذا الحوار انه من المبكر الحكم على نتائجه، وعلى تعامل سوريا مع المحكمة، ما دام أي طرف عربي لم يقبض من دمشق أي تنازل جدي عن دورها، لا بل انها لا تزال تشبك خطوطها مع كل الاطراف الاقليميين، في انتظار بلورة الصورة بعد تشكيل الحكومة الاسرائيلية والانتخابات الايرانية.
ويتحدث هؤلاء عن ان لبنان لا يملك الجهوزية الكاملة لتحمل تبعات المحكمة امنيا، خصوصا في ظل انتقال الضباط الاربعة الى خارج لبنان، لان هذا الانتقال بمثابة بطاقة سفر ذهاب من دون تحديد موعد الاياب. وتكمن في هذا الامر أخطار كبيرة على كل من له علاقة بكل الاغتيالات التي يطالها عمل المحكمة. ويشيرون الى ان الاهتمام بقضية الضباط بدأ يأخذ منحى جديا اعلاميا وسياسيا، والفترة المحددة لتسليمهم، تتقاطع مع التطورات في المنطقة والانتخابات في لبنان، والخشية ان تكون كل هذه التقاطعات مناسبة لاي "خربطة امنية" ترمي الى تأجيل كل الملفات المتعلقة بالمحكمة الى ما بعد الانتخابات، وتشكيل حكومة جديدة. وعند ذلك يصبح للحديث عن المحكمة وقع آخر، سواء نجح الحوار الغربي مع سوريا أم فشل.