اجتماع نيابي لمناقشة عقوبة الاعدام و"القوات" تؤكد دعم الغائها
ترأس وزير العدل ابراهيم نجار إجتماعًا نيابيًا لمناقشة موضوع السعي إلى إلغاء عقوبة الإعدام حضره النواب نايلة معوض، صولانج الجميل، ستريدا جعجع، مروان حمادة، عبد اللطيف الزين، بطرس حرب، بهيج طبارة، نوار الساحلي، إيلي كيروز، غسان مخيبر.
وإثر الإجتماع أوضح نجار أن "الفكرة الأساسية تكمن في أنه يمكن لتيارات مختلفة في المجلس النيابي أن تلتقي للتداول في مواضيع تهم المجتمع اللبناني والتشريع في صورة خاصة."
ووصف النقاش بأنه كان جديًا، وخيم عليه جو من الحرفية في التصدي لكل مضامين الموضوع سواء من وجهة حقوق الإنسان، أم فاعلية العقاب أم المعتقدات الدينية.
وشكرت عضو كتلة القوات اللبنانية النائب ستريدا جعجع نجار لأنه جمع شخصيات من قوى 14 و8 آذار على طاولة واحدة للبحث في إلغاء عقوبة الإعدام. ونحن كقوات لبنانية نؤيد إلغاء هذه العقوبة".
أضافت أن "البحث سيأخذ وقتًا لأن البعض يريد العودة إلى المراجع الدينية". وتابعت جعجع: "أود العودة إلى الوراء واستذكار المراحل السوداء التي مررنا فيها كقوات لبنانية. وأتذكر اليوم الأحكام التي صدرت بحق القوات اللبنانية في مرحلة الوصاية السورية، والتي تؤكد علامات الاستفهام والشك التي تُطرح في شأن عقوبات الإعدام إذ تنعدم فيها إمكانية استدراك الخطأ. وأنا لا أنسى أنطوانيت شاهين التي تمت محاكمتها ظلمًا في متفجرة الكنيسة، ثم ما لبث أن صدر حكم ببراءتها بعد خمس سنوات، إضافة إلى رفاقنا في القوات اللبنانية الذين كانوا يقادون إلى السجون."
واكدت جعجع: "إننا كقوات لبنانية ضد عقوبة الإعدام وقد حصل معنا في تاريخنا مفصل أساسي عندما كان لبنان في مرحلة غير طبيعية، وقد شرحنا الأسباب الموجبة لموقفنا في مذكرة تفصيلية. وفي شأن رأيها بما يطرح حول القضاء اللبناني اليوم، أجابت: "نريد وقتًا كلبنانيين لنبني أنفسنا على كل المستويات".
بدورها، اوضحت النائب نايلة معوض "أنها ذكّرت المجتمعين بدراسة بدأها المجلس النيابي السابق في شأن تعديل وتحديث قانون العقوبات ولا سيما ما يتعلق بجريمة الشرف". وسألت: "كيف سنصل إلى إلغاء عقوبة الإعدام، ولا يزال القانون اللبناني يعتبر جريمة الشرف جريمة مقبولة؟"
ورحب النائب مروان حمادة "بمبادرة الوزير نجار متمنيًا أن تتوسع إلى البحث في مقاربات قانونية وإصلاحية عديدة". وقال: "أبلغت المجتمعين تأييد اللقاء الديمقراطي والحزب التقدمي الإشتراكي لمبدأ إلغاء عقوبة الإعدام، وكذلك تعليق تنفيذ الأحكام في المرحلة الإنتقالية علمًا أن التشريع في هذا الموضوع سيأخذ وقتًا".
كذلك نوه النائب نوار الساحلي بدعوة الوزير نجار "لكل الأطياف السياسية في لبنان لمناقشة عقوبة الإعدام، واصفًا الإجتماع بأنه أقرب إلى أن يكون طاولة حوار مصغرة"، مؤكدا انه ضد الغاء هذه العقوبة.
وفي ما يلي نص المذكرة التي قدمها النائبان ستريدا جعجع وإيلي كيروز في شأن الأسباب الموجبة التي تدفع بالقوات اللبنانية إلى الموافقة على قبول إلغاء عقوبة الإعدام:
"يتطلع لبنان في هذه الحقبة من تاريخه المعاصر إلى النهوض من كبوة السنوات السابقة وإلى مواكبة حركة التطور العالمي. من هنا لا بد وأن يتماشى هذا التطور العام مع ضرورة تحديث القوانين والأنظمة اللبنانية بصورة تجعلها أكثر مطابقة وتلاقيًا مع معطيات ومقتضيات حركة التشريع الدولي في كل المجالات. ضمن هذا الإطار تأتي ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام من المنظومة القانونية العقابية اللبنانية لاعتبارات مختلفة نوجز أبرزها:
1- موقف الكنيسة من عقوبة الإعدام:
إن مفهوم الكنيسة لعقوبة الإعدام نابع من مفهومها للإنسان. فالإنسان في مفهوم الكنيسة، مهما حاولنا إدراكه، يبقى سرا مصونا. فهو كيان بلا حدود، حضور بلا قيود، إنفتاح دائم، حوار مستمر، حرية مطلقة، شخص مستقل بفرادته، يستحق كل تضحية في سبيل نموه ورقيه، ولأجل غناه العميق هذا، لا يمكننا أن نحكم عليه أو أن ندينه أو نعلّبه ونوضّبه ونصنعه ونسوقه كسلعة لها وزنها وحدها وثمنها. من هنا، فإن حياة الإنسان مقدسة كما جاء في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية لأنها منذ أصلها اقتضت عمل الله في الخلق وهي تبقى أبدا على علاقة خاصة بالخالق. ويضيف التعليم: "إن الحفاظ على خير المجتمع العام يقتضي أن تبذل الدولة جهدا لمنع انتشار التصرفات التي تضر بحقوق الإنسان وبالقواعد الأساسية للعيش معا. لقد كانت الكنيسة تعتبر أنه إن كانت ثمة وسائل غير دموية كافية لرد المعتدي وحماية امن الاشخاص، فعلى السلطة أن تتمسك بهذه الوسائل لأن هذه الوسائل تتناسب بوجه أفضل وأوضاع الخير العام الواقعية وتتوافق اكثر وكرامة الشخص البشري. وفي كتابه "إنجيل الحياة"، يعتبر البابا يوحنا بولس الثاني أنه "في ايامنا هذه، بفضل القدرات التي تملكها الدولة على قمع الاجرام قمعا فعالا تجعل مرتكبه عاجزا عن الإساءة من دون أن تنزع منه نهائيا إمكانية التوبة، فإن حالات الضرورة المطلقة لإزالة المذنب لا وجود لها البتة في الواقع". من هنا، يتضح مما تقدم أن الكنيسة أميل إلى إلغاء عقوبة الإعدام منها إلى الإبقاء عليها.
2- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعقوبة الإعدام:
إن إلغاء عقوبة الإعدام ينسجم مع المنحى العام لشرعة حقوق الإنسان وهي أشبه ما تكون بعمارة فكرية تقوم على عمادين: العماد الأول هو المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقول: لكل انسان الحق في الحياة والمادة الثانية والعشرون التي تمهد لسلسلة من الحقوق الإجتماعية والإقتصادية والثقافية، تشكل العماد الثاني لهذه الشرعة. إن هدف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو إبراز فرادة الشخص البشري والحفاظ عليها. يقول البابا يوحنا بولس الثاني: "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو من أرفع التعابير عن الضمير الإنساني في زمننا".
3- الاتجاه التشريعي الدولي وعقوبة الإعدام:
إن الاتجاه التشريعي الغالب على المستوى الدولي والمتجسد بمعاهدات ومواثيق، يحرم صراحة وبوضوح تطبيق عقوبة الإعدام ويعتبرها من المخلفات التشريعية البائدة. تبعا لهذا الاتجاه التشريعي الدولي العام، لا بد للمشترع اللبناني أن يعتمد السياسة التشريعية الآيلة لتأمين أفضل الظروف الموضوعية لمعالجة أكثر إنسانية للجريمة وللمجرم كظاهرة إجتماعية وكشخص يحتاج إلى إعادة تأهيل وتسهيل انخراطه في المجتمع على أسس سليمة تحقيقًا للأمن الإجتماعي والخير العام.
4- فلسفة العقاب وعقوبة الإعدام:
من الناحية العملية نرى أنه لا يجوز كسياسة جنائية وكاستراتيجية عقابية لمواجهة الجريمة، أن يبرّر التقصير في محاربة الرذيلة عبر اللجوء إلى فرض حكم الإعدام. من هنا فإنه من الضروري العمل على تطوير فلسفة العقاب لتغيير مفهوم العقوبة وغايتها، من ردع المجرم والانتقام المؤسساتي كبديل عن الثأر الفردي أو العائلي، إلى تأهيل المجرم بالإضافة إلى تطبيق العدالة التعويضية ورفع الضرر عن الضحية.
5- إن طريقة تنفيذ حكم الإعدام في لبنان والتغطية الإعلامية التي يتم عبرها تسويق الحدث يؤدي فعليا إلى نتيجة معاكسة كليا للغاية العقابية المرجوة اصلا من تنفيذ العقوبة، وهي الردع، ذلك أن طريقة تنفيذ الإعدام فيها الكثير من التحقير للكرامة البشرية وتثير مشاعر التعاطف الشعبي مع المحكوم عليه أكثر من سخطهم تجاه جريمته.
في الخلاصة، نشير إلى أن للإعدام مساوئ كثيرة تغلب ضرورة إلغائه كعقوبة نظرًا للإعتبارات التالية: إن الإعدام يمس بالحق المطلق في الحياة وهو حق مطلق وغير قابل للتصرف به. إن الإعدام ينتهك الشرعية الدولية ويتعارض مع العلم الجنائي الحديث، ويهدر الهدف الإصلاحي للعقوبة. إن الإعدام يجرح الشعور العام من حيث القساوة والبشاعة والوحشية، ولا يمكن استدراك الخطأ القضائي فيه، ولا يفي بالغرض المرجو منه لجهة خفض نسبة الجرائم، وهو عقوبة مسيسة تعارض مفهوم العدالة الدولية، ويؤدي بلبنان إلى العزلة الدولية عن حركة التشريع العالمي.