الضباط وأهلية الشهود ومذكرة التفاهم.. عناوين كثيرة لهدف واحد
قبل أيام، وفيما العالم لا يزال يحتفل بانطلاق عمل المحكمة الدولية تأكيداً على أنها لا تزال في صدارة اهتماماته، كشفت صحيفة "المستقبل" (الثلاثاء 3 آذار) أن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الذي عُقد في القاهرة، تمهيداً لاجتماع وزراء الخارجية، شهد "ملاسنة" بين المندوب اللبناني وبين السفير السوري الذي اعترض على تضمين مشروع البيان الختامي فقرة تنصّ على "الترحيب" بقيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وأن هذا الأخير، من جملة الدرر التي قالها في الاجتماع، وصف المحكمة بـ"الفولكلورية" وأنها "ملعب كرة قدم".
لاحقاً وخلال اجتماع المجلس على مستوى وزراء الخارجية أكمل وزير الخارجية السوري وليد المعلم "المساعي" لعدم إدراج أي إشارة الى المحكمة، لكن "جهوده" وسفيره ذهبت أمام موقف صلب لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة بتأكيد تمسك لبنان بإدراج هذا الموقف، وقد قال في أحد اتصالاته بالأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى "لن ندور الزوايا (..) الرئيس الحريري لم ينتحر"، وكان أن انتزعت القضية اللبنانية وصدى هول الجريمة ترحيباً عربياً متميزاً بانطلاق المحكمة، وتأكيداً على الثقة بعملها بما يضمن إحقاق العدالة وحماية اللبنانيين وترسيخ الأمن في لبنان، وفوق ذلك ضمان إدراج هذا البند على جدول أعمال القمة العربية المقبلة في الدوحة.
قبل ذلك، أي قبل انطلاق عمل المحكمة بشكل رسمي، برزت تصريحات سورية تعتبر أن نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام "لا يصلح كشاهد في المحكمة الخاصة، بدعوى أنه محجور عليه ومجرد من حقوقه بحكم قضائي"، وقال عضو اتحاد المحامين العرب حسام حبش إنه "بسبب هذا الحجر والتجريد لا يحق لأي محكمة تأخذ صفة قضائية محلية أو عالمية، سماع شهادته".
هذا خارج الحدود، أما داخلها، فلفت أن أطرافاً داخلية تعاملت مع قيام المحكمة، بتجاوز احتفالية اللبنانيين بالعدالة، للمطالبة بإطلاق الجنرالات الأربعة الموقوفين قيد التحقيق بشبهة الضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لأنهم "مسجونون ظلماً وعدواناً"، واعتبار استمرار توقيفهم بمثابة "التسييس المسبق للتحقيق".
وبعيداً عن روايات يجري تداولها عن خلفيات وأسباب "هلع" هذه الأطراف من المحكمة وما سيترتب عليها، إذ مَن غير المريب يكاد يقول خذوني، فإن ثمة خطوة مهمة يخطوها لبنان اليوم، تتمثل بإقرار مجلس الوزراء "مذكرة التفاهم" بين لبنان ومكتب النائب العام لدى المحكمة الخاصة القاضي دانيال بيلمار في ما يتعلق بصيغ التعاون بين الطرفين، والتي نالها نصيب من حملة التشكيك والاستهداف أيضاً.
قباني: المذكرة تؤكد المؤكد
في موضوع "مذكرة التفاهم"، يشدد وزير الدولة خالد قباني لـ"المستقبل" على أن هذه المذكرة "ليست سوى إطار عادي للتنسيق والتعاون"، ويؤكد أنه "ليس من شأنها أن تنيط بالقاضي بيلمار أو بالمكتب الذي يتبع له في بيروت أي صلاحيات جديدة تخرج على اتفاقية إنشاء هذه المحكمة أو نظامها الأساسي"، موضحاً أنها "تنظم عملية التعاون والتنسيق بين مكتب بيلمار في بيروت والحكومة والأجهزة القضائية والأمنية اللبنانية والإدارات التابعة لها وتسمح للمحققين بالوصول الى المعلومات المطلوبة والأدلة التي يحتاجون اليها في عملية التحقيق وتوفر لهم حرية التنقل بين مختلف المناطق اللبنانية وهو أمر طبيعي ولا يخرج على الصلاحيات التي كانت للجنة التحقيق الدولية المستقلة ويشكل استمراراً ومتابعة لذلك".
ويلفت قباني إلى أن "هذه المذكرة في كل مضامينها ومندرجاتها لن تضيف شيئاً على صلاحيات المدعي العام الدولي، كما لن تنتقص منها، إذ إن المدعي العام ومكتبه يستمدان الصلاحيات مباشرة من اتفاقية إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان ومن نظامها الأساسي"، ويحيل في هذا الإطار الى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخصوصاً 1664 (2006) و1757 (2007) والتي بُنيت جميعها على قرار إنشاء لجنة التحقيق الدولية المستقلة رقم 1595 (2005)، مؤكداً أنّ "الاتفاقية والنظام يحددان صلاحيات المدعي العام ويلزمان الحكومة اللبنانية بالاستجابة لكل الطلبات التي يقدمها، وفيهما ما يلزم الحكومة اللبنانية بالتعاون مع كل هيئات المحكمة والمدعي العام والاستجابة لمتطلبات التحقيق وتوفير المعلومات والوثائق وكل ما من شأنه أن يؤدي الى مساعدة بيلمار في مهمته والوصول الى كشف الحقيقة والجناة".
ويشير قباني الى أن مجلس الوزراء سيناقش المذكرة بانفتاح تام على كل الأفكار والمقترحات، ولا ينفي إمكان إدخال تعديلات عليها، لكنه يستدرك موضحاً أنه "أياً كان الموقف الذي سيتخذ من المذكرة، فإن ذلك لن يغير من صلاحيات المحكمة والمدعي العام شيئاً، لأن هذا الأخير لا يستمد صلاحياته منها لأنه يستمد صلاحياته من اتفاقية إنشاء المحكمة الدولية ومن النظام الأساسي لها، وبالتالي فالمذكرة تطبيقية لاتفاقية إنشاء المحكمة، ولن تغير في جوهرها". وإذ يذكر بأن "إنشاء المحكمة تمّ بإجماع اللبنانيين"، يختم بالقول "إن كل آمال اللبنانيين معلقة على نجاح المحكمة في عملها من أجل كشف الجريمة وتحقيق العدالة، لأن مصلحة لبنان مرتبطة بذلك لتأمين الاستقرار السياسي والأمني وردع المجرمين عن التفكير في العودة الى مثل هذا الأسلوب".
المحكمة وأهلية الشهود
على صعيد قانوني آخر، وبمعنى أدق، على صعيد ردات الفعل التي لا تزال تتوالى من الجهات المتوجسة من المحكمة، وبعيداً عما إذا كان نائب الرئيس السوري السابق خدام سيمثل أمام المحكمة بصفة شاهد أم لا، يؤكد خبراء في القانون الدولي "أن القانون الداخلي لأي بلد غير مُلزم للهيئات الدولية، وعليه، فإن هيئة المحكمة الدولية التي ستنظر في قضية اغتيال الرئيس الحريري، هي الجهة التي تحدد أهلية الشهود، وهي بالتالي غير ملزمة بالقوانين المحلية في بلد من سيجري استدعاؤهم للإدلاء بشهاداتهم أمام المحكمة".
ويضيف هؤلاء الخبراء "إن صدور حكم محلي بتجريد مواطن ما من حقوقه في بلده، هو حكم بلا مفعول دولي، بمعنى أن نفاذ الحكم المحلي بتجريد مواطن ما من حقوقه، قد لا ينطبق دولياً، بل محلياً فقط، الى أن يصار الى تعديله، ولكن هذا الحكم لا يتمتع بصفة دولية أسوة بكافة الأحكام الأخرى الوطنية التي لا تتمتع بصفة دولية"، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تضيف هذه المصادر القانونية أنه "يعود للمحكمة الدولية في الواقع، أن تبت بمدى صلاحية أي شاهد ايجاباً أم سلباً، وهي بالتالي قد لا تأخذ بقانون صادر في بلد ما، وقد تأخذ به، وفقاً لمعايير دولية، ولحكمها وليس لأنه صادر عن دولة ما، أي دولة كانت".
وعليه، يقول الخبراء، فإن المحكمة "تبت بصلاحية الشاهد الشخصية أولاً، إذا كان ذا أهلية أم لا، وتبت بمواصفات أخرى موضوعية تتعلق بوضعه القانوني".
وعن احتمال إسقاط صلاحية الشهادة أمام المحكمة الدولية نتيجة صدور حكم محلي، يشير هؤلاء الخبراء الى أنه "من حيث المبدأ، فإن هذا الأمر ليس صحيحاً لسبب بسيط، إذ يفتح أبواباً واسعة للتفلت من المسؤولية والعقاب"، بمعنى أنه "يصبح من السهل لكل من لديه مشكلة قانونية مع جهة ما فوق وطنية، أن يجرد أي شخص من حقوقه المدنية كي يدعي عدم أهليته وأنه غير صالح للمثول أمام الهيئة القضائية، وفي بعض الحالات فإن الأمور تتجاوز الأشخاص، وقد تصل الى الحكام، وإذا سعى هذا الحاكم لكي يحمي نفسه من المساءلة من خلال تجريد بعض الأشخاص (الشهود) من حقوقهم، فإن الأمر يبقى ضمن نطاق الدولة وليس المنظمات الدولية، وبالتالي فإن الإرادة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن تتخطى الأشخاص وكل بلد".