#adsense

قضاة “محكمة الحريري”: أنطونيو كاسيزي نموذجاً

حجم الخط

رئيس للمحكمة الخاصة بيوغوسلافيا والأب الروحي للجزائية الدولية
قضاة "محكمة الحريري": أنطونيو كاسيزي نموذجاً

في لاهاي، الأنباء المتصلة بالمجتمع القانوني لا تبقى سرا. هنا الجميع يعرف "أسرار" الجميع. ولأنّ المسألة كذلك، ففي صالونات لاهاي، وهي قليلة وتاليا محصورة، تكاد تكون أخبار المحكمة الخاصة بلبنان كلها قيد التداول.
في "عاصمة المحاكم الدولية" ثمة مَن يجزم، حتى قبل انعقاد اجتماع قضاة غرفة الإستئناف الخمسة الإنتخابية، باسم الرئيس المقبل لهذه الغرفة، الذي يكون هو نفسه رئيس للمحكمة الخاصة بلبنان.

هؤلاء يتحدثون بشكل مستمر عن القاضي الإيطالي أنطونيو كاسيزي، الذي تمّ تعيينه قاضيا في غرفة الإستئناف في المحكمة إلى جانب قاضيين جزائيين لبنانيين وقاضيين دوليين آخرين .

وإذا كان المسؤولون عن المحكمة يرفضون إعطاء صدقية حاسمة لأنباء المجتمع القانوني في لاهاي، إلا أنهم يؤكدون، على نقيض موقفهم الحاسم لجهة إضفاء "سرية رسمية "على أسماء القضاة اللبنانيين لأسباب أمنية (جرى تسريب الأسماء إلى صحيفة "الوطن" السورية المقربة من الرئيس بشار الأسد، بعد البحث في مجلس الوزراء اللبناني بتركيب كاميرات أمام منازلهم) أن كاسيزي هو من القضاة الدوليين المعيّنين في غرفة الإستئناف.

مَن يردد في لاهاي أن كاسيزي سيكون رئيسا للمحكمة ينسب هذا الكلام إلى كاسيزي نفسه، على اعتبار أن صلة تربطه به حين كان هذا القاضي الإيطالي في لاهاي بين العامين 1993 و2000، كأول رئيس للمحكمة الجزائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة (بين العامين 1993 و1997 )، وكرئيس لإحدى غرف المحاكمة الثلاث فيها بين العامين 1997 و2000.

في مكاتب مسؤولي المحكمة المقيمين الآن، يعيدون هذه التأكيدات إلى مجرد توقعات، على اعتبار أن كاسيزي، لمجرد تعيينه قاضيا في غرفة الإستئناف، يفرض نفسه وحضوره بفعل المراكز التي شغلها سابقا وبفعل التجربة العريضة التي تحفل بها سيرته المهنية، وتاليا بمجرد أن يعرف "خبير بالقضاة الدوليين" أمر هذا التعيين فإنّه يتجه فورا إلى الجزم بأن كاسيزي سيكون هو الرئيس.
والذين يرددون "معلومات" عن "مستقبل" كاسيزي، فيشيرون إلى أن قضاة غرفة الإستئناف الخمسة المعنيين حصرا بانتخاب رئيس المحكمة، تربطهم اتصالات دورية منذ جرى تعيينهم، ومنذ حدّد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الأول من آذار (مارس) 2009 موعداً لبدء العمل بالمحكمة الخاصة بلبنان. وقد بحث هؤلاء في مسألة انتخابات الرئيس وتفاهموا في ما بينهم على أن ينتخبوا عندما يجتمعون قانونا أنطونيو كاسيزي رئيسا.

ويؤكد المسؤولون في المحكمة توافر هذه الإتصالات بين قضاة محكمة الإستئناف وبينهم وبين قضاة محكمة البداية وقاضي ما قبل المحاكمة، ولكنهم يحصرونها ببند واحد هو البحث في مشروع القانون الداخلي الخاص بالمحكمة، على مستوى الإجراءات الجزائية والقواعد الإدارية والمالية والإعلامية وخلافه، ولكنهم يكررون نفي علمهم بأي شيء على مستوى التوافق على شخصية الرئيس، وإن كانوا يبدون كثيرا من الإعجاب بالخبرات التي يملكها كاسيزي كما بسعة علمه ووفرة كتبه وأبحاثه في مسألة القانون الدولي الجزائي.

إلا أن ما يبدو الآن، هنا في لايشندام حيث مقر المحكمة الخاصة بلبنان، مجرد تخمين، سيتأكد في مطلع الأسبوع المقبل، الموعد الذي يتردد أنه قد حُدّد لاجتماع القضاة، لأداء القسم وانتخاب ووضع النظام الداخلي للمحكمة.
وينص النظام التأسيسي للمحكمة والضميمة المرفقة به، اللذان سرى مفعولهما بموجب القرار1757، على أن ينتخب قضاة المحكمة البدائية الثلاثة (أحدهم لبناني أو لبنانية) رئيسا من بينهم، وينتخب قضاة محكمة الإستئناف الخمسة (بينهم لبنانيان) رئيسا من بينهم ويكون هو في آن رئيسا للمحكمة.

وفي التفسيرات التي يقدمها المسؤولون في المحكمة، فإن بدء العمل بالإجراءات القضائية في المحكمة ينتظر استكمال مسألتين مناطتين بالقضاة أنفسهم: أداء قسم اليمين، بحيث يعطى "قاضي ما قبل المحاكمة" في ضوئه سلطة مباشرة العمل، وإقرار النظام الداخلي للمحكمة بحيث يتمكن قاضي ما قبل المحاكمة والمدعي العام من الإنطلاق نحو اتخاذ الإجراءات التمهيدية المطلوبة، بما في ذلك طلب ملف التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري بموقوفيه من القضاء اللبناني، وانتخاب رئيس للمحكمة بحيث يصبح هناك مرجع قادر على متابعة تنفيذ المقررات.
فمن هو أنطونيو كاسيزي، كنموذج للقضاة الكبار في المحكمة، بغض النظر عن إمكان انتخابه رئيسا للمحكمة؟.
أنطونيو كاسيزي، إيطالي الجنسية من مواليد العام 1937 وحامل خمس جوائز عالمية بسبب إنجازاته في حقل القانون الدولي الجزائي وفي الدفاع عن حقوق الإنسان.

يقول عارفوه إنه هو "الأب الروحي" لمحكمة لم يعمل فيها، أي المحكمة الجزائية الدولية، التي عارضت الولايات المتحدة الأميركية إنشاءها، وهو "مهندس" المحكمة الجزائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، اذ أنه بصفته أول رئيس لها، عمل بجهد على المستويات القانونية والمالية والدبلوماسية ليتمكن من تحويل فكرة بسيطة إلى مؤسسة فاعلة وحقيقية (مجموع من حاكمتهم وتحاكمهم هذه المحكمة 163 متهما بينهم إثنان فقط لا يزالان فارين).

وهو بالنسبة للأمانة العامة للأمم المتحدة بمثابة "الدواء" لكل "داء" قانوني أو قضائي.
في العام 2007، طلب منه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان أن يتوجه إلى سيراليون لدراسة وضعية المحكمة الخاصة بها، لتحديد أسباب عدم فاعليتها. فقدم توصيات "إنقاذية" كان لها تأثيرها الحاسم على استمرارية محكمة بدت مهددة دائما بالاغلاق، بفعل فساد مكان المقر، الأمر الذي سمح لاحقا باعتقال الرئيس الليبيري السابق شارلز تايلور واتخاذ قرار بنقل محاكمته من سيراليون إلى لاهاي (تايلور موجود في جناح خاص في السجن الذي يوجد فيه جناح خاص بمحكمة لبنان مكوّن من عشرين زنزانة). وفي العام 2004 ترأس كاسيزي، بقرار من الأمين العام للأمم المتحدة أيضا، لجنة التحقق من الجرائم ضد الإنسانية الواقعة في دارفور، وأوصى بإحالة الملف، في تقرير رفعه في العام 2005 إلى مجلس الأمن، على المحكمة الجزائية الدولية، ومقرها لاهاي، وهذا ما حصل فعلا.

 
في تقريره، وبفعل ظروف تلك المرحلة المتفلتة من كل انتظام رسمي، أبعد كاسيزي، وعلى خلاف ما كان يتم قوله في مجلس الأمن، المسؤولية عن الحكومة السودانية وعن الرئيس عمر البشير، الأمر الذي تغيّر بعد أربع سنوات، حين ربطت التطورات التي شهدها هذا الإقليم بفعل قرارات سودانية مركزية لاحقة، مع النائب العام لدى المحكمة لويس مورينو أوكامبو . ويحفل سجل كاسيزي بالكتب والدراسات والتقارير والتعليقات على أحكام قضائية، وهو متشدد في مسألة الدفاع عن حقوق الضحايا.

هذا غيض من فيض عن كاسيزي الذي يأتي إلى المحكمة الخاصة بلبنان حاملا أعلى وسام شرف في بلاده، قلده إياه الرئيس الإيطالي في العام 2005.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل