الاعتراض على "مذكرة التفاهم" يتقاطع مع "الاستفزاز" السوري في الجامعة العربية
"8 آذار" في مواجهة .."المحكمة"
انطلقت أعمال المحكمة الدولية، بعد مخاض عسير استمر أكثر من ثلاث سنوات، تخللته محاولات عديدة لتعطيلها والتأثير عليها، بدءاً من الداخل اللبناني وصولاً إلى خارج الحدود وبالتحديد إلى سوريا. في وقت كانت الأكثرية النيابية تصر يوماً بعد يوم على أن لا مفر من العدالة، وأن وحدها المحكمة تستطيع إخراج لبنان من دوامة الاغتيالات المتنقلة، والتي غالباً ما مرّت من دون أن يتسنى للبنانيين حتى أن يطالبوا بالحقيقة.
ولكن اليوم، اختلف الوضع، المحكمة الدولية أصبحت أمراً واقعاً، وخرجت إلى حد بعيد من إمكانية أن يؤثر بها أحد أو تتأثر بأحد، وعلى الرغم من هذا، لا بد من التذكير بأن البعض حاول جاهداً أن يمنع قيامها، فمنذ أن أطلقت الأكثرية النيابية شرارة المطالبة بمحكمة تحاكم من شارك باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، واجهت حملة مضادة بدأت من النظام السوري، الخارج حديثاً من لبنان بعد احتلال دام ثلاثين عاماً، قبل أن تعطى تأشيرة استكمال عملية "المنع" هذه إلى حلفاء هذا النظام في الداخل اللبناني.
بدءاً من مهاجمتها وإطلاق الأحكام المسبقة عليها، مروراً بحملات التخوين التي طالت كل من تجرأعلى المطالبة بقيامها أو حتى دعمها، وصولاً إلى الاستقالة من مجلس الوزراء لحشر الحكومة دستورياً وإجبارها على عدم إقرار المحكمة داخل المؤسسات الشرعية. وهذه المحاولات التي كانت مدعومة من رأس السلطة آنذاك، من رجل التمديد المشؤوم، الرئيس السابق إميل لحود، تقاطعت مع مسلسل من الانفجارات المتنقلة التي طالت رموزاً من ثورة الأرز، التي حملت شعار الحقيقة والعدالة على مدى السنوات الأربع الأخيرة.
بعد هذه الحملة الشعواء، أُجبر وزير العدل آنذاك شارل رزق، على الذهاب بالمحكمة إلى الأمم المتحدة التي أقرّتها تحت الفصل السادس، واليوم انطلقت أعمالها رسمياً، ولكن الطارئ على هذا الموضوع، مذكرة التفاهم التي طلبت الأمم المتحدة من لبنان توقيعها مع المحكمة الدولية لضمان التعاون الكامل معها، وهذا ما طرحه وزير العدل ابراهيم نجار على مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، فرد وزراء 8 آذار مطالبين بمهلة لدرس هذه الوثيقة، فكان لهم ما أرادوا.
في المعلومات التي تداولها الإعلام في الأيام الماضية أن قوى الأقلية لديها ملاحظات حول الصلاحيات التي تعطيها المذكرة لمكتب النائب العام في بيروت، والتي وردت في المادة الثالثة لوثيقة التعاون، التي تنص على "حرية الحركة في كل أنحاء الارض اللبنانية، وإمكان وصول غير مقيد الى كل الاماكن والمؤسسات وحرية الاجتماع بممثلين عن السلطات الحكومية والمحلية، وحرية استجوابهم إضافة الى ممثلين عن أحزاب سياسية وسلطات عسكرية وزعماء الجماعات ومنظمات غير حكومية ومؤسسات أخرى، وأي شخص يمكن أن يسعى مكتب النائب العام الى الحصول على إفادته في بيئة من الامان والسرية والهدوء".
وفي المعلومات أيضاً أن 8 آذار التي تعترض على هذه المادة، تتجه إلى المطالبة بوضع ضوابط لها "ضمن حدود تحمي الحريات وتحفظ خصوصيات المقامات السياسية أو الدينية"، وأكثر من ذلك، فإن المعلومات التي تناولتها الصحف تفيد بأن هذه القوى تعتبر بعض بنود المذكرة أخطر من القرار 1757 نفسه الذي نص على إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والأنكى أن ما ورد في مذكرة التفاهم سبق واتفق عليه، وهو من البديهيات في عمل المحكمة الدولية، أما طاولة الحوار التي انعقدت الاثنين الماضي لم تأت على ذكر الوثيقة، علماً أن المعلومات كانت تشير إلى توجه لدى قوى الأكثرية لطرح هذا الموضوع على المتحاورين.
واليوم ينعقد مجلس الوزراء، وعلى جدول أعماله بحث مذكرة التفاهم مع المحكمة، وهذا ما يجعل الرأي العام اللبناني، ينتظر ما ستؤول إليه الجلسة، والطريقة التي ستتعامل بها قوى 8 آذار مع المذكرة، والتاريخ القريب خير شاهد على "استخفاف" هذه القوى بموضوع المحكمة، ودائماً تحت شعار الحفاظ على سيادة لبنان، هذا الشعار الذي لطالما نادت به وخاصة أثناء أحداث 23 و25 كانون الثاني، كذلك عند اجتياح بيروت والجبل في 7 أيار الشهير!.
والمقلق أكثر، أن قوى "الشكر لسوريا الأسد"، تعاملت دائماً مع المحكمة الخاصة بلبنان من خلال رؤية فوقية، و"مصلحجية"، بعيدة كل البعد عن الهدف الذي من أجله كانت المحكمة، والمعركة التي كلفت قوى 14 آذار الكثير، للوصول إلى تاريخ 1 آذار 2009، فـ"8 آذار" وبكل بساطة تنظر إلى هذا الاستحقاق باعتباره انتصاراً لفريق على آخر، و"المضحك المبكي" أنها تسعى دائماً إلى إيهام اللبنانيين بأنها تؤيد المحكمة والعدالة.
في هذا الوقت، ومع تواصل الانفتاح العربي والغربي على سوريا على خلفية تعاونها وتغيير سلوكها تجاه لبنان، بحسب ما يقول الدبلوماسيون الذين يزورون دمشق، فإن ما حدث في اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين يدل على أن لا شيء يؤكد أن النظام السوري مستعد لتغيير سلوكه هذا، وإن أوهم البعض بوعود لم تترجم على الأرض إلى يومنا هذا.
فالسفير السوري اعترض على تضمين مشروع البيان الختامي للاجتماع فقرة تنص على "الترحيب" بقيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، قائلاً "لم يحصل شيء اسمه انطلاق المحكمة، ما جرى هو عملية فولكلورية، ما زالت المحكمة ملعب كرة قدم"، ولم يكتف السفير يوسف الأحمد بهذا القدر، بل أكمل مداخلته الاعتراضية سائلاً "كيف لنا نحن كعرب أن نثق بها؟".
ما عبر عنه السفير السوري، لمجرد "ترحيب" بقيام المحكمة يطرح العديد من علامات الاستفهام، ويذكرنا بسلوك نظامه الدائم، ولكن هذه المرّة في ظروف مغايرة لما سبق، وفي وقت يبدي وزير خارجية بلاده وليد المعلم الاستعداد للتعاون مع المحكمة، ويرحب بها على اعتبار أنها مطلب للبنانيين، متناسياً ما كان يقوله سابقاً من أن المحكمة الدولية آتية لتنتقم من سوريا وهي خاضعة للتسييس، ولكن هذه المرّة انقلب السحر على الساحر وفضح الأحمد ما يكبته نظام "البعث" للمحكمة وللبنانيين، وما اتفق عليه هو والمعلم قبيل اعلان البيان الختامي لإجتماع وزراء الخارجية على مستوى المندوبين، وعبّر فعلاً عن المستور لدى أسياده، ولعل في هذا مقدمة لما يضمره هذا النظام للمحكمة، والطريقة التي سيتعامل معها عندما تصدر الأحكام.
أما ما يدعو إلى التساؤل، والاستغراب أكثر من كل ذلك، هذا التقاطع في الموقف السوري مع بعض ما يصدر عن فرقاء لبنانيين من تشكيك بالقضاء اللبناني وبالتالي في المحكمة ومحاولتهم الحثيثة حشر القضاء للإفراج عن الضباط الأربعة قبل أن يتوجهوا إلى لاهاي، كما أنه يتقاطع مع اعتراض وزراء 8 آذار على مذكرة التفاهم مع المحكمة، وهم اليوم ليسوا بحاجة إلى الاستقالة من الحكومة، إذا أرادوا لهذه المذكرة أن تبقى معطلة، فأخيراً هم يملكون "الثلث المعطل"، ويشهرونه في الكبيرة والصغيرة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمحكمة استقالوا من الحكومة لتعطيل إقرارها؟.
وفي هذا الإطار، يستغرب النائب سمير فرنجية موقف وزراء 8 آذار بخصوص مذكرة التفاهم، ويشير إلى أن "حزب الله" وحركة "أمل" تحديداً، وقعوا عام 2005 مذكرة بحرفية تلك المعروضة عليهم اليوم وبتفاصيل أوسع مما هي عليه في ورقة التفاهم التي عرضها الوزير ابراهيم نجار على طاولة مجلس الوزراء الأسبوع الماضي".
وانطلاقاً مما ذكره، يسأل فرنجية "لماذا وقعوا على نفس التفاهم في العام 2005 واليوم يريدون التراجع عنه؟"، ويدعوهم إلى التراجع عن موقفهم هذا، أما الإشارات التي يرسلها البعض منذ فترة والتي فيها انتقاد للمحكمة ومعها القضاء اللبناني، والتي يصفها بـ"الاشارات الاعتراضية"، يعتبرها نائب زغرتا الزاوية "مسيئة لـ"حزب الله" فهو يقدم صورة وكأنه هو المستهدف من هذه المذكرة وبالتالي من المحكمة، وأيضاً يوحي وكأنه هو المستهدف الوحيد منها".
الاعتراض على مذكرة التعاون بين لبنان والمحكمة الدولية، والذي يعيدنا إلى أيام خلت، خيل لنا أنها أصبحت من الماضي، يصفه فرنجية بـ"الفضيحة وكأن هذا الفريق "المعترض" يُقر في مكان ما أن له دوراً في هذه الجريمة التي من أجلها طالب اللبنانيون بالعدالة وتجلت مطالبهم بإقرار المحكمة ذات الطابع الدولي"، ويضيف "ارتكبوا خطأ بتصرفهم هذا، والعودة عن الخطأ فضيلة، وهذا ما يجب أن يفعلوه في مجلس الوزراء غداً، وعكس ذلك يكون هذا الفريق يُقر بمسؤولية ليست بالضرورة أن تكون واقعية أو موجودة من الأساس".
وبغض النظر عن إمكانية أن يكون هناك ارتباط بين الموقف السوري في جامعة الدول العربية وما يعبر عنه وزراء 8 آذار في لبنان، يدعو فرنجية وزراء 8 آذار إلى "الامتثال بما فعلته سوريا عبر التراجع عن اعتراضها على ترحيب الجامعة بالمحكمة الدولية، ويسهلوا إقرار مذكرة التفاهم في مجلس الوزراء وبالتالي التراجع عن خطأهم، الذي لا يزال ممكناً