ما دام الاتفاق على الاستراتيجية الدفاعية مرتبطاً بمصير المصالحات
لماذا لا يعمل المتحاورون على تنفيذ القرارات السابقة ؟
بات واضحاً أن الحوار الجاري في القصر الجمهوري هو لمجرد الحوار وليس للتوصل الى اتفاق على الاستراتيجية الدفاعية يصعب تحقيقه نظراً الى ارتباط ذلك بتطورات المنطقة وتحديداً بنتائج المحادثات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في شأن الملف النووي، وبنتائج المفاوضات بين اسرائيل وسوريا في حال معاودتها، ويكفي ان يشيع استمرار هذا الحوار أجواء هادئة تساعد على اجراء انتخابات بعيدة من التوترات والاحتقانات ليؤدي وظيفته، لأن في البعد جفاء.
الواقع ان "حزب الله" لن يتخلى عن سلاحه ويصر على بقائه، وذلك بلسان أكثر من مسؤول فيه وبالفم الملآن، لأن مصيره مرتبط بتحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة وحتى بمصير الملف النووي الايراني. فإذا لم تسفر المساعي العربية والدولية عن اتفاق على تحقيق السلام الشامل مع اسرائيل ولا عن اتفاق مع ايران والمجتمع الدولي على الملف النووي، فان أقصى ما يمكن التوصل اليه بالنسبة الى كل سلاح خارج الشرعية هو تعطيل جدوى بقائه، وذلك بتنفيذ اجراءات منع تهريب الاسلحة تنفيذاً دقيقاً وكاملاً سواء الى فلسطين، وتحديداً الى غزة، أم الى لبنان وتحديداً الى "حزب الله" والمتحالفين معه بحيث يتحول كل السلاح الموجود خارج الشرعية، مع الوقت، "خردة"، على ان يشمل منع تهريب السلاح الذخيرة وقطع الغيار. حتى اذا لم يتحقق السلام الشامل والعادل في المنطقة بين اسرائيل والعرب، فان الأمن هو الذي يتحقق على الحدود مع اسرائيل وتصبح الهدنة أو المهادنة التي لا أجل لها هي التي تحكم العلاقات بين اسرائيل والعرب في انتظار التوصل الى اتفاق على السلام الشامل.
مسؤولية كل العرب
لذلك لا بد من انتظار نتائج المساعي للتوصل الى اتفاق مع اسرائيل يحقق السلام الشامل والعادل في المنطقة وتكون المبادرة العربية التي صدرت عن القمة العربية في بيروت عام 2002 الاطار لهذا السلام.
فاذا تم التوصل الى اتفاق على هذه المبادرة أو على غيرها من المبادرات التي يلتقي عليها العرب واسرائيل، لا يعود عندئذ مبرر لبقاء أي سلاح خارج الشرعية، بل لا تعود ثمة حاجة حتى الى تعزيز سلاح الشرعية في كل دولة من دول المنطقة ويتحول جزء من الاموال التي تنفق على شرائه، لتمويل مشاريع انمائية وعمرانية تزيد نسبة النمو وتوجد فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل.
أما اذا لم يتم التوصل الى اتفاق بين العرب واسرائيل على تحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة، فان مسؤولية مواجهة اسرائيل بأي شكل من الأشكال، لا تعود مسؤولية دولة بمفردها، بل تصبح مسؤولية العرب مجتمعين أو أقله مسؤولية الدول العربية المحيطة باسرائيل التي عليها ان تضع استراتيجية دفاعية مشتركة تتحمل تبعة تنفيذها أياً تكن عواقبها. فكما ان تحقيق السلام مع اسرائيل هو مسؤولية كل العرب، فان مواجهة الحرب مع اسرائيل هي مسؤوليتهم أيضاً. فلا جدوى اذاً من البحث في استراتيجية دفاعية للبنان وحده، لأنه غير قادر، حتى لو تم الاتفاق عليها، على تحمل مسؤولية أي مواجهة مع اسرائيل التي تبقى أقوى من لبنان على التدمير والتخريب وإلحاق خسائر بشرية ومادية فادحة به، وهذا يطرح مدى قدرته على الصمود على رغم هذه الخسائر. ولكن عندما تتوزع اعباء المواجهة مع اسرائيل على كل الدول العربية المحيطة بها، يستطيع لبنان عندئذ ان يتحمل جزءاً منها، وان يأمل في ان تحسب اسرائيل حساباً لاحتمال حصول مثل هذه المواجهة فتتجنبها.
اختبار لنيات سوريا
يبقى ان أهم ما يستطيع المتحاورون تحقيقه ويشكل اختباراً لنيات سوريا وتصرفها حيال لبنان، هو ملاحقة تنفيذ القرارات التي صدرت بالاجماع في مؤتمر الحوار الوطني عام 2006 وعدم اضاعة الوقت في البحث عن استراتيجية دفاعية قد لا يتوافقون عليها، اذ لا مجال للقول إن النظام السوري غيّر سلوكه حيال لبنان كما تدعو الى ذلك دول عربية وأجنبية حريصة على وحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات وعلى استقلاله وسيادته وقراره الوطني الحر، إلا باعلان سوريا استعدادها الصادق لمساعدة لبنان على تنفيذ هذه القرارات لأن تنفيذها من شأنه ان يؤدي الى تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الاسرائيلي، وان يزيل السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، خصوصاً انه ثبت انه ليس سلاحاً للدفاع عن القضية الفلسطينية ولا لتحرير الاراضي التي تحتلها اسرائيل، بل لزعزعة الأمن والاستقرار في لبنان من حين الى آخر، وايجاد إرباكات للدولة التي لا تزال طرية العود، كما يؤدي الى اقفال ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية.
فاذا ما ساعدت سوريا لبنان على تحقيق كل ذلك فانها تكون قد اعادت العلاقات الى طبيعتها لا بل جعلتها مميزة وممتازة. واذا لم يفعل النظام السوري ذلك لغاية في النفس، فانه يثبت انه يريد جعل هذه القرارات التي أجمع اللبنانيون عليها، ورقة ضغط وابتزاز ومساومة في مفاوضاته سواء مع دول عربية معنية بوضع لبنان أو مع دول اجنبية صديقة يهمها أمر لبنان، وعلى امل ان يقبض هذا النظام ثمن بيع تنفيذ تلك القرارات ممن يهمه تنفيذها، وليس من اي طرف لبناني او حتى من الدولة اللبنانية، بحيث يتم التنفيذ من دون مقابل وهو ما لا يريده النظام السوري حتى لو ظل يُتهم بعدم تغيير سلوكه حيال لبنان.