#adsense

بعضهم … و”خريطة طريق” الكنيسة

حجم الخط

بعضهم … و"خريطة طريق" الكنيسة
جورج عساف

في خضمّ تشويه القيم الانسانية والمفاهيم السياسية من قبل بعضهم في مجتمعنا تحت ذرائع "الحربقة" وأن كل الوسائل مشروعة للوصول الى الهدف وأن المثاليات أضحت من الزمن الغابر، تطل الكنيسة مرة جديدة صوتاً صارخاً في برية المصالح الضيّقة والنفوس الخنوعة لتعلن "شرعة العمل السياسي في ضوء تعاليم الكنيسة وخصوصية لبنان".

السياسة بنظر هذا البعض فن الكذب، اما السياسة بنظر الكنيسة وبنظرنا نحن ابناءها "فن شريف لخدمة الانسان والخير العام". والدولة التي تدعو الى قيامها الكنيسة "دولة مدنية ديمقراطية"، أما دولتهم فتوأمة بين شبه دولة لبنانية سيّدة على جزء من اراضيها ودويلات شرعيتها إلهية وجزر امنية سلاحها مقدس.

تشدّد الشرعة على أن بين الدولة والكنيسة تمايزا واستقلالية، فالكنيسة لم تسع يوم الى ان تحلّ مكان الدولة ولا طمح بطريركها الى لعب دور رجال السياسة. لكن حق الكنيسة ورجالها التعبير عن أرائهم، وهي لم تنجرّ يوماً الى دهاليز سياسة "المختار والناطور" وإن حاول البعض تصوير عكس ذلك كلما شعر ان توجيهاتها المبدئية والشاملة "مسلة تنعره".

وفي وقت يسعى بعضهم الى تعميم ثقافة شريعة الغاب، تصرّ الشرعة على ضرورة "توفير السلام والعدالة والاستقرار الامني بواسطة مؤسسات الدولة النظامية والامنية". وكلما شعر هذا البعض أن اللعبة الديمقراطية أقوى منه يلعب ورقة الشارع مرة عبر إجتياح وسط بيروت بالخيم، وأخرى عبر قطع الطرق كما في 23 كانون الثاني، وثالثة عبر غزو العاصمة كما احداث السابع من ايار. اما الكنيسة فتدعو الى "التمسّك بمبادئ الحوار وحلّ الخلافات في اطار المؤسسات الدستورية، ورفض الاحتكام الى أي شكل من اشكال العنف والصدامات المسلحة تحت اي ذريعة او سبب".

تتمسك الكنيسة بأبسط مقومات الدولة: الجيش وقوى الامن الداخلي وتؤكد انهما "وحدهما مخولان المحافظة على امن المواطنين والاستقرار"، أما ذاك البعض فيسأل ما الذي اخذ النقيب الطيار الشهيد سامر حنا الى سجد، ويعتبر أن "السلاح لحماية السلاح"، ومنهم حتى من يرى أن كل الوسائل من شبكات اتصالات وتوقيف الاشخاص والتحقيق معهم لايام وقيام مربعات امنية مشروعة لتأمين أمن كوادر "المقاومة الاسلامية في لبنان". وفي خضم مزاد الاستراتيجيات الدفاعية، تؤكد الكنيسة ضرورة "حصر السلاح اللبناني بالقوى الشرعية المسلحة واخضاع المهام الدفاعية والامنية لقرار السلطة السياسية دون سواها".

وفي زمن الانحطاط في الخطاب السياسي ولغة "تحت الزنار" و"قطع الالسن وكسر الايدي"، تحضّ الشرعة على "الامتناع عن استعمال عبارات التحقير والاذلال في المخاطبة وعن اثارة الاحقاد والنعرات الطائفية او الحزبية او الفئوية او الشخصية بل الارتقاء بلغتهم السياسية الى مستوى المسؤولية الاخلاقية والوطنية الجامعة لتجنيب لبنان مساوئ تحويل الاختلافات في وجهات النظر والنتائج الانتخابية الى ازمات سياسية على مستوى الوطن كله".

سلاح بعضهم في عمله السياسي "نبش القبور" وفتح دفاتر الحرب والتركيز على "النسرة" في عين الاخر مغفلاً "الجسر" الذي في عينه، اما الشرعة فتدعو الى ان يعتمد العمل السياسي على "التنافس في وضع البرامج الكفيلة بتأدية الواجبات وتنفيذها في شكل افضل واشمل، ودونما تقاتل او تخوين او صدامات". كذلك تشجّع الكنيسة على اعتماد "نظام اجتماعي يضمن خير كل شخص ويتأسس على الحقيقة التي ترفض الكذب والاحتيال والمراوغة، ويُحمى بالعدالة وينتعش بالمحبة وينمو بالحرية".

وفي حين يتحسّر بعضهم على ان المسيحيين غير مختزلين بزعيم واحد كما سائر الطوائف من جهة، ويتوّهم أحدهم أنه هو الناطق الوحيد الاوحد باسم الشعب، تشدّد الكنيسة على انه "لا يحق لاصحاب السلطة السياسية اختزال المواطنين في آرائهم وتطلعاتهم وطموحاتهم ومشاركتهم المسؤولة".

ومع احتراف بعضهم شلّ المؤسسات أكان عبر استضافة "فخامة الفراغ" في قصر بعبدا، أو عبر تسكير مجلس النواب لاشهر عدة، وتكبيل الحكومة عبر بدعة "الثلث المعطل"، تدعو الشرعة الى "اعتماد آليات للحؤول دون تعطيل عمل المؤسسات الدستورية، وتفعيل هذه المؤسسات الكفيلة وحدها بتوطيد الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي".

تنصح الكنيسة بـ"الابتعاد عن سياسة المحاور الاقليمية والدولية" في وقت يصر البعض على معاداة المجتمع الدولي واقحام لبنان في محور دول الممانعة. وتدعو الشرعة الى "بناء علاقات طبيعية مع الجمهورية العربية السورية تتميّز بالتكافؤ والمساوة والمصالح المشتركة واحترام سيادة كل بلد وحدوده"، في وقت يهرول بعضهم الى الشام متناسياً الحدود الفالتة وعدم التكافؤ القائم والملفات العالقة وفي طليعتها المعتقلين في السجون السورية.

وفي ظل امتناع شريحة من اللبنانين عن المشاركة في الحياة السياسية إما لخيبتها من هذا البعض الذي منحته تفويضاً في العام 2005 ليعمل على بناء الدولة السيدة الحرة وصاحبة قرار الحرب والسلم او بسبب الخمول، تشدد الشرعة على انه "يجب على المسيحيين ان يشاركوا كما غيرهم في الحياة السياسية".

وعشية السباق الى ساحة النجمة في السابع من حزيران المقبل، ومع ادمان بعضهم على عدم الاعتراف بنتائج اي انتخابات إن لم تكن لصالحه، تطلب الكنيسة أن "يلتزم كل مرشح الروح الديمقراطية الاصيلة، فيقبل بنتائج الانتخابات ويحترم الناخبين وحريتهم ويبادر الى تهنئة الفائزين".

الكنيسة قالت كلمتها، وضعت خريطة طريق ليس الى الانتخابات المقبلة أو الى الحكومة الجديدة أو لنهاية العهد الحالي، بل خريطة طريق لبناء الدولة السيدة الحرة للمستقبل ولصون كرامة الانسان، فهل يسير هذا البعض وفقها أم أن خريطته تمرّ في شوارع طهران "النظيفة" وساحات دمشق "الصامدة بمحبة شعبها"؟!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل