المذكّرة والعصيّ
كما يقول المثل إن القصة ليست قصة رمّانة بل قصة قلوب ملآنة، هكذا يقول اللبنانيون إن القصة ليست قصة مذكرة تفاهم بين لبنان والنائب العام في المحكمة الدولية، بل قصة المحكمة بالذات، ومعها الانتخابات النيابية والوضع برمته.
حتى المصالحة العربية التي تكاد ان تصبح حقيقة لا لبس فيها لها دور في القصة.
حتى اللحظة لا أحد يعرف ما هي المآخذ والملاحظات والتحفظات والمخالفات التي تتضمنها المذكرة، سواء لجهة الصيغة والشكل أم لجهة المبدأ بحد ذاته.
وما من معترض أجاب عن أي سؤال بهذا المعنى، او تكرَّم واوضح النقاط التي تضر بلبنان واللبنانيين والمصلحة اللبنانية بصورة عامة.
وما من منرفز من هذه المذكرة شرح للناس الاسباب التي تجعل المعترضين في حال توتر وقلق وانزعاج ورفض، ومن أي منطلق يجيء الاعتراض، وعلى أي اساس توضع العصي في الدواليب.
حتماً، لن يتردد اللبنانيون في رفع آيات الشكر والامتنان الى أي معترض يتكرّم بشرح الاضرار والاخطار، وتفنيد الموانع الوطنية والقانونية والدستورية والتاريخية والجغرافية التي تدفع المعترضين الى الاستنفار ورفع لافتات الاحتجاج والاستنكار.
هناك من يقول إن المتضررين من المحكمة اصلا وفصلاً لا يريدون للمذكرة ان تمر بسهولة، او على بال المستريح، لأنهم ما زالوا يأملون ويراهنون على عوامل غير مرئية قد تؤدي الى تأجيل المحاكمات وتطيير المحكمة.
مثلما كان كثيرون لا يزالون يحلمون بتعطيل الانتخابات النيابية وتطييرها وتعطيل مجلس النواب، اذا ما تأكد لهم ان نتائج الصناديق لن تكون في مصلحتهم، ولن تنقل بارودة الاكثرية من كتف 14 آذار الى كتف 8 آذار.
آراء واجتهادات وتحليلات من هذه الجهة ومن تلك، وكلها تدور في فلك التناحر والتنافر، وعدم تمكّن اصحاب المساعي الحميدة من تحقيق المصالحات اللبنانية، في الوقت الذي باتت المصالحات العربية تسابق الريح.
وإن يكن البعض يربط الوضع اللبناني بالوضع العربي وتالياً المصالحة اللبنانية بالمصالحة العربية، مع التلميح والتصريح ان دور العامل الايراني في المصالحتين ليس حبَّتين…
على ان ذلك كله، فضلا عن التراكمات المحلية المزمنة، لا يقدّم ولا يؤخّر بالنسبة الى مذكرة التفاهم، التي قيل في الساعات المنصرمة إنها بدأت تتحلحل، فإن من المستحيل نزع شوكة من الازمة اللبنانية ما لم تكن هناك مباركة اقليمية لم تعد مجهولة المفعول والفاعلية…
غير ان مشكلة التعطيل والاعتراض ووضع العصي لا تقتصر على المذكرة وحدها، أو على المحكمة وحدها، أو على المجلس الدستوري وحده، أو على التعيينات الادارية وحدها، فهي اصبحت سياسية قائمة بذاتها، ومعتمدة بصورة دائمة، والى ان يقضي الله أمراً كان مفعولا.
لكن الكلام الجدي، لبنانياً وعربياً ودولياً، سيكون بعد السابع من حزيران.