الحوار الوطني واختراع الأمل
المادة الأخيرة التي بقيت على جدول أعمال طاولة الحوار الوطني هي الستراتيجية الدفاعية. غير ان الاجتماعات التي تتالت، وخاصة الاجتماع الأخير، ركزت على قضايا اخرى، في مقدمها ملء الشواغر الادارية، وتعيين قائم مقامين ومدير عام لوزارة الداخلية.. الخ.. وهكذا بدا ان مهمة الحوار الوطني بين كبار قادة الوطن هي القيام مقام الهيئات القضائية والادارية في تعيين موظفين للادارات الرسمية؟!
ان أقطاب الحوار الوطني ليسوا أعضاء في مجلس الخدمة المدنية. ولا هم أعضاء في مجلس القضاء. ومقر رئاسة الجمهورية ليس مركزاً ادارياً وهو ليس ديوان المحاسبة ولا هو مجلس تفتيش. ان الأقطاب السياسيين يمثلون منفردين ومجتمعين مرجعية وطنية عليا. ومقر رئاسة الجمهورية هو رمز الدولة وسيادتها.
ثم ان المشكلة التي يواجهها لبنان اليوم ليست مشكلة فراغ في المؤسسات الادارية. ان الفراغ السيئ والخطير الذي تعاني منه الادارات العامة ـ ولبنان على أبواب الانتخابات ـ هو نتيجة وليس سبباً. انه نتيجة للخلافات السياسية بين الأقطاب. فاذا ما عولجت هذه الخلافات بالوفاق الوطني، فان الهيئات المعنية تستطيع ان تمارس صلاحياتها الادارية المعطلة بالتعيين وبالمناقلات وان تتجاوز الصعوبات والعراقيل التي تعترضها في الوقت الراهن.
من هنا، فاذا تجنب الأقطاب الوطنيون البحث في القضايا الجوهرية والسيادية، عبثاً يضيعون وقتهم ووقت اللبنانيين في البحث في قضايا اجرائية وادارية ليست في الأساس من اختصاصهم؛
فعندما يتحلق الأقطاب حول طاولة الحوار برئاسة رئيس الجمهورية، وفي القصر الجمهوري، فان آمال اللبنانيين تكون كبيرة بحجم هذه الرموز مجتمعة. ولكن عندما يعلن المجتمعون بأنهم تجنبوا المواضيع الجوهرية، وفي مقدمتها الستراتيجية الدفاعية، وان أبحاثهم اقتصرت على أمور هي من صلاحيات موظفي الدرجة الأولى، فان ذلك يولد خيبة أمل.. ويضاعف من القلق على المستقبل وعلى المصير.
صحيح ان لبنان يحتاج الى ملء الشواغر في القضاء، وفي الادارات الرسمية الأخرى، وصحيح ان استمرار هذه الشواغر يعطل انطلاق الدولة ومؤسساتها، الا ان الصحيح ايضاً ان معالجة هذا الامر تحتاج قبل ذلك الى توافق وطني يعطي الضوء الأخضر للمراجع المختصة لملء الشواغر الادارية على قاعدة الكفاءة، بعيداً عن المحاصصة الطائفية والمذهبية والحزبية.
ولا يمكن لهذا الضوء ان يتوفر ما لم يطوِ القادة السياسيون الكبار صفحات خلافاتهم واختلافاتهم، بما يمكّن الدولة اللبنانية من الانطلاق من جديد بعد طول تعطيل وشلل.
فبعد كل لقاء حول طاولة الحوار، يتلقى اللبنانيون صدمة جديدة، حتى لا نقول خيبة امل جديدة. مصدر الصدمة هو التصافح من غير صفح. ذلك انهم بعد المصافحات لا يرى اللبنانيون اي أثر للمصالحات. وبعد تشابك الأيدي لا يرى اللبنانيون أي أثر لتعانق القلوب والعقول. كل ما يرونه ويسمعونه هو المزيد من تبادل الشتائم والاتهامات والتخوين وبألسنة حادة ولغة منفرة عبر أجهزة الاعلام.
وهكذا، عندما يلتقي قادة الوطن "تحسبهم جميعاً". وعندما ينتهي الاجتماع تدرك ان "قلوبهم شتّى". انهم أو بعضهم على الأقل يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. الأمر الذي يوحي بأنهم يتنقلون من اجتماع الى آخر من دون أن يتقدموا خطوة واحدة الى الأمام.. مع ذلك، فان اللبنانيين متمسكون بطاولة الحوار على انها خشبة الخلاص الأخيرة.. وانه لا بد مهما طال الزمن من أن تتوصّل القيادات السياسية الى صيغة ما للوفاق. انها ثقافة اختراع الأمل!!