#adsense

ما بعد المحكمة غير ما قبلها

حجم الخط

ما بعد المحكمة غير ما قبلها

خلال أسبوع شهدت لاهاي حدثين مهمين: الأول حفل إطلاق المحكمة الخاصة بلبنان، يوم الأحد الماضي، بمهابة فرضت نفسها على المشهد السياسي اللبناني وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، إذ أنها تصدرت الأخبار العالمية، أما الثاني فكان اصدار المحكمة الخاصة بالسودان ودارفور مذكرة التوقيف الدولية في حق الرئيس السوداني عمر البشير مع إسقاط التهم حياله بالمسؤولية عن جرائم إبادة جماعية، وإبقائها في ما يخص المسؤولية عن الجرائم ضد الإنسانية.

وهما خطوتان تتمان في ظل حراك سياسي متواصل في المنطقة وتؤسسان لمرحلة جديدة فيها، لجهة جلب ما بات يسمى العدالة الدولية، الى الشرق الأوسط.

وبصرف النظر عن النتائج التي ستؤدي اليها المحكمتان في شأن لبنان والسودان، فإن شعاع التوجه الدولي الذي بدأ قبل 20 سنة، والهادف الى معاقبة جرائم كبرى ضد الإنسانية، لأهداف سياسية من أجل الحد منها ومعاقبة من يقومون بها، قد تأخر الوصول الى المنطقة، بعد أن كان بدأ في سيراليون وكمبوديا ويوغوسلافيا السابقة. إنها مرحلة جديدة لأن الرأي العام في المنطقة، بما فيها إسرائيل، والقادة السياسيين فيها، كانوا يستخفون بالتطور الذي كان يحل ويترسخ اتجاهه على الصعيد العالمي، وباتوا الآن أمام واقع جديد لا عودة عنه، لأن هذا الرأي العام وهؤلاء القادة بات عليهم أن يتعاطوا مع مستوى جديد من جهود الحؤول دون الإفلات من العقاب إزاء الجرائم التي ترتكب.

ما بعد المحكمتين، هو غير ما قبلهما. واختبار مدى إدراك ذلك من جانب الحكام والقادة العرب سيظهر خلال المرحلة المقبلة. والأمر نفسه ينطبق على إسرائيل التي ضربت بعرض الحائط الاتجاه العالمي الجديد منذ عقدين، بالجرائم التي ارتكبتها وترتكبها ضد الفلسطينيين وضد اللبنانيين وآخرها في حربي غزة ولبنان (عام 2006).

إلا أن ثمة دلالات واستنتاجات سياسية مهمة لا بد من تسجيلها مع المرحلة الجديدة التي تؤرخ لها المحكمتان. أبرزها أن أي محاولة لأخذ اعتبارات المصالح السياسية في الحسبان في التعاطي مع ضمان عدم الإفلات من العقاب، عبر تسويات، تحول دون أن يأخذ القانون مجراه أو تؤخره، لم تعد صالحة عبر الوسائل السياسية والصفقات الجانبية. وإذا كان لا بد من تخفيف عقوبات أو ايجاد مخارج لتنفيذها بطرق مخففة فإن هذا بات مستحيلاً إلا ضمن العملية (Process) القضائية نفسها، ووفق ما يتيحه القانون الدولي نفسه، وليس من خارجه. والدليل على ذلك أنه تعذر على فرنسا التأثير على قرار مدعي المحكمة الخاصة بالسودان بإصدار مذكرة التوقيف في حق الرئيس البشير لجهة تأجيل التنفيذ، والدليل الآخر هو أن القيادة السورية، وقادة مهمين في لبنان كانوا يراهنون على أن المحكمة في شأن لبنان لن تقوم واعتبروا خلال عام 2007 أنها باتت "في خبر كان"، ثم عادت فقامت. ثم راهنوا على تأجيل انطلاقها ونسيان إقامتها… الخ.

ثمة إشارات أخرى الى أن العملية القضائية في الجرائم التي يفرض المجتمع الدولي محاسبة عليها، تسير في شكل مستقل عن الوضع السياسي، وتحديداً في شأن المحكمة الخاصة بلبنان.

فمجيء الإدارة الأميركية الجديدة وإعلانها نيتها الانخراط في حوار مع سورية، لم يحل دون انطلاق المحكمة. وزيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان وعضو مجلس الأمن القومي الأميركي دانيال شابيرو الى دمشق تتم بعد انطلاق المحكمة في لاهاي بحيث لم يعد ممكناً الحديث عن أي مساومة حولها…

مع تقدم الخطوات العملية لبدء المحكمة عملها تتساقط الحجج التي طرحها معارضوها. فما حصل حتى الآن اكسبها صدقية يصعب التشكيك فيها، منها إفراج القضاء اللبناني، الشريك في هذه المحكمة، عن موقوفين رهن التحقيق، ما يشي بأن مبررات إبقاء آخرين قائمة، ثم إعلان المدعي العام دانيال بلمار أن توقيف الضباط الأربعة بعد نقل ملف جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى لاهاي، لن يكون لمدة غير متناهية.

بين الحجج التي سقطت أن معارضين لبنانيين للمحكمة أقلقهم قيام محكمة من أجل شخص واحد. ومع أن هذه الحجة لم تصمد منذ البداية لأن اغتيال الحريري لم يحصل فقط لإزاحته كفرد بل لاستهداف بلد بكامله ولأنه يرمز الى الكثير، فإن الاغتيالات التي سبقت جريمة إزاحته والتفجيرات التي أعقبتها، تزيل صفة الفردية عن الملاحقة القضائية هذه، فضلاً عن أن ادعاء أهالي ضحايا تفجير 14 شباط أمام المحكمة يجعل الجريمة، في الشكل والمضمون، تتعدى الفردية.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل