#adsense

وليد جنبلاط و”جهاز الإشارات اللاقط”!!

حجم الخط

وليد جنبلاط و"جهاز الإشارات اللاقط"!!

يُجمع اللبنانيون على تمتع رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط بأجهزة استشعار حسّاسة ومبكرة، تُحسن التقاط الإشارات السياسية الماورائية، (…)

ووليد جنبلاط يتقن "جمباز السياسة" ومرونته تفوق التصور، وصراحته أيضاً.. وأمام أعين اللبنانيين الذين عايشوا مقدراته ومهاراته السياسة لا يتردد في تعديل توجهاته، بحيث يربك "جمهوره أولاً" و"حلفاءه" ثانياً وجمهور حلفائه "ثالثاً"، وجمهور اللبنانيين عموماً..

فبعض الكلام الذي قاله بالأمس النائب وليد جنبلاط قد يناقض ما كان يقوله قبل أشهر ثلاثة مثلاً بل وأقل من هذه المدة، وبعض ما يصدر عنه غالباً يدّفع حلفاؤه ثمنه ومن دون قصد منه ربما.. فجزء من اكتساح ميشال عون للانتخابات عام 2005 كان كلمة جنبلاط الشهيرة "إجا التسونامي" فدفع ثمن هذا الوصف الذي استفز المسيحيين قيادات قرنة شهوان بعد نضال استمر 5 سنوات ضد الوصاية، والذي بدأه هو متأخراً عام 2004، وبعدما تيقن من استشعاره لتبدل الرياح الدولية..

وذهب جنبلاط أحياناً كثيرة في مواقفه أبعد من حلفائه، فهو يخرق كل السقوف في تصعيده، وعندما تستدعي الأمور التهدئة، يصيبنا وليد جنبلاط بالإحباط الشديد..

منذ التقط إشارات حركة لمحاولات بناء مصالحات، فقرّر على أساس ما التقطه أنها واقعة ـ مع التزامنا بها وتأكيدنا على ضرورتها ـ وكأن المصالحة العربية ـ السورية ذاهبة باتجاه إعادة تكليف الثانية بملفّ لبنان !! ثم التقط إشارة أخرى عنوانها الحوار أواخر الشهر حول أفغانستان بين أميركا وإيران، فسارع إلى "تدليل" حزب الله في تصريحاته ممهداً الطريق باتجاه الحوار والمشاركة في الحكم في حال فوز "الحزب" بالانتخابات، لأن الباقين ليسوا أكثر من توابع "الشموليّة" وجنبلاط هو نفسه صاحب الفضل في تعميم هذا الوصف الاصطلاحي، حتى كدنا نظن أنه عائد ـ مع العائدين ـ من "مؤتمر دعم غزة ومقاومة حماس في إيران"!!

هذا التموضع "الكلامي" قد يكون محاولة تموضع "انتخابي"، وفيما يقول لنا أنه"لا يفهم لم الانتخابات مصيرية"، وأن الخسارة ليست نهاية الدنيا، الأمر الذي ينعكس سلباً على مشاعر الناخبين لا المنتخبين، وحقيقة تحتاج هذه الارتباكات الجنبلاطية إلى مناقشة هادئة وصريحة بين قيادات 14 آذار، فلم يجهد لتأمين فوزه بالانتخابات في عاليه مثلاً، ولا يعتبرها كذلك في كسروان أو في دائرة بيروت الأولى، وحبال الودّ الانتخابية الممدودة بينه وبين "شيخ المعارضة" و"التعطيل البرلماني" الرئيس نبيه بري بدأت تظهر جلية في اللغة الانتخابية المشتركة بينهما!!

الكلام الهادئ لوليد جنبلاط نحن معه، والرجل يحفظ له لبنان أنه حماه مرات أربع من الانزلاق إلى المجهول، الأولى: في 14 شباط عندما أفقد الجميع صوابهم وشل تفكيرهم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فقادهم بهدوء شديد إلى 14 آذار، كان القيادة الوحيدة الفعلية والمهددة بشدة في لبنان، والثانية: يوم فتنة "الزيادين"، والثالثة: يوم حمى الجبل في فتنة 7 أيار من حرب دموية ومن مجازر محتملة، ولزم جانب أهل بيروت وبقي في منزله في كليمنصو، والرابعة: بالأمس القريب مع استشهاد لطفي زين الدين وهو عائد من الحشد المشهود يوم 14 شباط 2009..

في المواقف الكبرى أثبت جنبلاط أنه يمتلك من الحكمة ما يجعله يطوي الإعاصير ويلقيها بعيداً عن طريق لبنان، وقد يكون من الضروري أن نتفهم أنه سياسي ذو هواجس، لأنه يلتقط نذر التحولات والتبدلات، ولكن من المفيد أيضاً أن يأخذ جنبلاط في الاعتبار وعندما يرخي العنان لانتقاداته، أن جمهور 14 آذار "ينقز" منه، هو يثق به لكنه يُصاب بنقزة حادة، لأنه لا يراعي اعتبارات وخصوصية تعددية هذا الجمهور والذي في جزء كبير منه من غير المنتمين لأي تيار سياسي أو حزبي..

وجنبلاط صادق في ما يقول، فقد ضجر وملّ السياسة وتقلباتها، وقد يكون يعوّل على تقطيع الانتخابات، ويعد العدّة لبدء الانسحاب عن المسرح السياسي مفسحاً المجال لخلف يصنعه على عينه، قد يكون ملّ سياسة "الجزرة" الأميركية، ونحن أيضاً مللنا منها ومن أن يكون مشهدنا الوحيد في هذه المسرحية هو لعب دور الضحية فقط "شبعنا"!!

على ما يبدو أن قيادات "ثورة الأرز" الذين التحقوا بها في نهايتها بعدما أسدلت الستارة على المشهد المليوني يسيئون الظن بالشعب اللبناني وصلابة صموده الذي تأكدوا منه بالأمس القريب، ومحزن أن يكون هذا ظنهم بنا، لأننا سرنا أمامهم وقبلهم لا وراءهم، لسنا قطيعاً ولا إقطاعاً لأي منهم، وعليهم أن يثقوا قليلاً بنا، فعلى مدى أربعة أعوام لم نخذل لبنان، وعليهم أن يعرفوا أنهم "يخذلوننا" عندما نسمع تصريحاتهم بعد أقل من عشرين يوماً فقط على رفض الخوف والتراجع وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بالنزول والمشاركة في 14 شباط وتعرضهم لاعتداءات وحشية بالسكاكين والجنازير والعصي، وسقط منهم شهداء وجرحى، مرتكبوها مشتبه بانتمائهم إلى مَن يحاورهم..

ولو يا وليد بك، حرّ أنت في صياغة "تموضعاتك" الانتخابية ـ وللمناسبة كل هذا الكلام لا يرفّ لهم جفن أمامه لأنهم عبأوا جمهورهم ضدك وقضي الأمر ـ هذه لا تحسّن صورتك عندهم، ولكنها تنقزنا من صورتك عندنا، ولو، شيء من احترام مشاعر الناس وشيء من الحرص على مشاعر جمهور 14 آذار لأنه ليس "قطيع غنم" يهوبر عالعمياني، وشيء من الحرص على مشاعر أهالي الضحايا، فإنقاذ الوطن من الانزلاق إلى حرب أهلية شيء، والتموضعات الانتخابية شيء آخر، ولا نفهم لمَ هذه العجلة !! كأنك تصدق أن المصالحات ستتم وإن تمت ستستمر، وكأنك تصدق أن التحالفات ستفكّ!! وأن إغراءات أميركا لإيران ستغير من اندفاعها أو تخفف من غطرستها وشهيتها المفتوحة بـ "فجع" لابتلاع العالم العربي..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل