ترصد الديبلوماسية السعودية بدقة في مهمتها الحساسة
طهران لن تسمح بتقارب الرياض ودمشق ولو اضطرت لزعزعة الاستقرار في لبنان
هل تختلط الأوراق السورية والإيرانية في لبنان على خلفية التقارب السعودي – السوري, فيؤدي إلى تعطيل الانتخابات النيابية المقبلة, ويعيد البلد إلى حالة الأزمة واللااستقرار في الداخل, وحالة الحرب مع إسرائيل? هذا السؤال تتداوله أوساط ديبلوماسية عربية في بيروت بقوة, وترى أن "حراكاً ما" سيجري على المستوى العربي, سيؤثر حتماً على وضع لبنان, الذي "رغم الإرادة القوية لأبنائه ونواياهم الطيبة, يشكل دائماً ساحة للخلافات العربية فيدفع ثمنها, أو يتأثر بالمصالحات العربية, فيتلقى شرور رافضيها", وفقا لديبلوماسي عربي في بيروت.
واضاف الديبلوماسي "الأنباء الخاصة بالتقارب السعودي السوري الذي يتم عبر ديبلوماسية حذرة وذكية لوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل, والمراحل التي قطعتها, كانت خلال الأسابيع الماضية محط أنظار ومتابعة مختلف الدوائر السياسية والإعلامية على صعيدي المنطقة والعالم, حيث تتابع الدول الغربية بشكل خاص, وعن كثب هذا التقارب, وتعول كثيراً على الدور السعودي, حتى أن أوساطاً إعلامية أوروبية باتت تراهن على هذا الدور, وتتوقع أن تحقق الديبلوماسية السعودية نقلة نوعية في خارطة العلاقات السياسية من خلال شد سورية أكثر فأكثر نحو العرب وهو يعني وبوضوح ابتعادها بالضرورة عن الفلك الإيراني".
ولفت الى ان الأميركيين "من اكثر المهتمين بالعملية ويتابعونها أولاً بأول, وفي الوقت نفسه يعملون كل جهدهم من أجل إنجاح عملية التقارب السعودي السوري وإيصالها إلى الذروة".
وأكدت أوساط ذات صلة بدوائر استخبارية غربية أن الولايات المتحدة تضغط, عبر قنوات مختلفة, على دمشق من أجل أن تتجاوب أكثر مع الديبلوماسية السعودية, أملاً في أن تبقى إيران لوحدها في الساحة, ويتم من خلال ذلك أيضاً تحديد وتأطير الاتصالات الإيرانية السهلة بكل من "حزب الله" وحركة "حماس" بوجه خاص, وتنظيمات أخرى بشكل عام, عبر القناة السورية.
واضاف الديبلوماسي العربي "تؤكد أوساط سياسية واستخبارية غربية أن الديبلوماسية السعودية لو نجحت في هذه المهمة البالغة الحساسية والتعقيد, فإنها ستكون, ومن دون شك أهم وأقوى ديبلوماسية في المنطقة, ويتم التعويل عليها في المقام الأول, مثلما أن ذلك سيجعل من السعودية شريكاً تشاورياً مهماً جداً في القضايا الحساسة والاستثنائية التي تهم المنطقة والعالم الإسلامي".
في المقابل, تتابع إيران بقلق بالغ مسألة التقارب السعودي السوري, وتسعى عبر كل جهد متاح لديها الضغط على دمشق باتجاه عدم الانجراف والانسياق إلى المضامين الأساسية الكامنة وراء العملية, وجعل التقارب مجرد شكل رمزي كالأشكال الرمزية الأخرى التي لا أهمية حقيقية وواقعية لها. وتدرك طهران جيداً أن العالم يتفهم جيداً السعي السعودي للتقارب مع سورية, وهي واثقة من أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والمنطقة تؤيد الجهد السعودي, وتقف خلفه بقوة لما سيكون له من تداعيات عملية مؤثرة على الواقع السياسي في المنطقة والعالم.
وقطعاً, فإن طهران ستلجأ إلى كل أوراق الضغط المتاحة لديها ضد دمشق إذا استجابت للمبادرة السعودية (وهو أمر وارد ومحتمل), ما سيدفع السوريين إلى المزيد من المماطلة والتسويف وعدم الوضوح مع السعوديين, غير أن أوساطا مطلعة تؤكد أن الديبلوماسية السعودية تعمل بدقة متناهية في ضوء إحداثيات وأسس العلاقة الإيرانية-السورية, وتؤسس لمسارها في ضوء ذلك, أي أنها ستبني على أساس ما سيتهدم من تلك الأسس والإحداثيات.
بناء على ذاك, تؤكد أوساط ذات صلة بدوائر استخبارية غربية أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التحرك السعودي الاستثنائي المهدد لمصالحها الستراتيجية بعيدة المدى, وأنها ومنذ الآن تعمل على أكثر من صعيد من أجل إفشال العملية أو تفريغها من محتواها الأساسي, كما أنها ستعمل أيضاً وفي حال نجاح الديبلوماسية السعودية في أهدافها لاستنفار كل أوراقها المتاحة لديها ضد السعودية.
وبالفعل, تحركت بعض الأوساط الشيعية الموالية لإيران في البحرين في توقيت مريب, ثم كررت حركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية, المحسوبة على طهران, إطلاق الصواريخ من غزة, وبعد أن بدأت تباشير المصالحة العربية بالظهور خلال قمة الكويت الأخيرة, عاد التوتر الأمني بقوة إلى لبنان, مهدداً بشكل جدي المسار السياسي والانتخابي.
وكان لافتاً على وجه الخصوص, إطلاق المزيد من الصواريخ "المجهولة" من منطقة نفوذ "حزب الله" على إسرائيل, بالتزامن مع تلقي قوة "يونيفيل" تحذيرات جديدة, من مراكز سياسية واستخبارية دولية, من احتمال تعرضها لهجمات إرهابية.