#adsense

بكركي بين الأمس واليوم: خيار لا يتغيّر بتقلّب السياسيّين

حجم الخط

بكركي بين الأمس واليوم: خيار لا يتغيّر بتقلّب السياسيّين

ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها بكركي حملة على خياراتها السياسية، ولم يكن البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير أول أسلافه الذي تستهدفه. اعتادت بكركي التعرّض لحملات مزدوجة طاولت الخيارات ودور سيدها من رؤساء الجمهورية لا من السياسيين، واعتادت أن تجد في السياسيين أول مَن يدافع عن تشبّثها بخيارات لا تحيلها في أي حال طرفاً بين أفرقاء النزاع. وكانت في كل حملة كهذه تعزو الأزمة إلى تصادم حتمي بين المرجع الديني للموارنة وهو البطريرك ومرجعهم الزمني الذي هو رئيس الجمهورية. إذ كان على كل منهما أن يتصرّف باستمرار على أن دوره لا يقتصر على منصبه، بل هو أيضاً قائد الطائفة وزعيمها. شكا البطريرك مار أنطون بطرس عريضة من تدخّل الرئيس بشارة الخوري في شؤون البطريركية إلى حدّ لم يجعله يتردّد في توجيه رسائل انتقاد للبطريرك إلى الفاتيكان، وشكا خلفه مار بولس بطرس المعوشي من أن الرئيس فؤاد شهاب لم يكن يستمزجه رأيه في قرارات وطنية كان الرئيس يعتقد أن الصلاحيات الدستورية تخوّله وحده اتخاذها، والبطريرك يعتقد أنه هو الآخر معنيّ بخيارات الدولة والحكم. وشكا البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش من أن الأحزاب المارونية لم تكن تصغي إليه عندما يدعوها إلى توحيد صفوفها وتجنّبها خلافاتها ونزاعاتها الدموية وأحياناً اقتتالها، وشكا من ممارسات ميليشيات مسيحية غالباً ما تجاهلت بكركي كي تفرض سيطرتها على شارعها.

كان بعض البطاركة وديعاً كعريضة في مواجهة رئيس متمرّس في المناورة كالشيخ بشارة، وبعضهم صلباً وعنيداً كالمعوشي في مواجهة رئيس يجاريه عناداً وتصلباً كالرئيسين كميل شمعون وفؤاد شهاب. لكن اختلاف الطبائع لم يكن دائماً أحد أسباب خلافات البطاركة والرؤساء.

ما يواجهه صفير في الوقت الحاضر ليس اختلاف طبائع، ولا أزمة مع رئيس الجمهورية، بل صراع على خيار يكاد يكون نفسه الذي جبهه منذ انتخب على رأس الكنيسة المارونية عام 1986. لم يتغيّر الخيار، بل أولئك الذين كانوا ضده وأصبحوا الآن معه، والذين كانوا معه وأصبحوا الآن ضده. تبدّلت التحالفات والمواقع ولم يتغيّر خيار بكركي، ولا تغيّر البطريرك الذي ظلّ في دائرة ما عدّه دائماً وجهي السيادة الوطنية: عدم تدخّل الخارج في الشؤون اللبنانية وبناء الدولة.

ورغم أن الحملة التي يواجهها من سياسيين موارنة، لا من رؤساء، لم يسبق لنظرائهم على مرّ العقود الأخيرة أن جازفوا بها، مثّل صفير صلابة المعوشي ووداعة عريضة وخريش، وكذلك صورة العقود التي عبرت بها الكنيسة المارونية قبل الاستقلال وبعده. ينادي اليوم بما نادى به عريضة عن علاقات لبنان مع سوريا تقوم على الاحترام والسيادة والحفاظ المتبادل على الاستقرار، ويقول ما قاله المعوشي عن التوازن الداخلي كأفضل صمام أمان لمواجهة التهديدات الخارجية، ويقول ما قاله خريش عن المصالحة المارونية التي تمهّد للمصالحة الوطنية واحتماء الجميع بالدولة.بيد أن ما يواجهه صفير خَبِرَ مثله المعوشي عندما خاض معركة خيار اتخذته بكركي، وهو تجنيب اللبنانيين التأثر بالانقسامات الخارجية. كان فحوى ما قاله بين عامي 1957 و1958 أنه لم يكن يجد الرئيس جمال عبد الناصر مصدر تهديد للمسيحيين اللبنانيين، ولا للكيان اللبناني على نحو حجة شمعون وحزب الكتائب الذي دعم الرئيس. واختار البطريرك عدم الاكتفاء بتحديد هذا الموقف، بل انخرط في مواجهة السنة الأخيرة لعهد رئيس الجمهورية بشقّيها الداخلي المتعلق برفض تجديد الولاية وحفظ الاستقرار الداخلي عبر تفادي انخراط لبنان في محاور إقليمية، وفي أبسط الأحوال تحاشي معاداة الزعيم المصري الذي اجتذب إليه ـــــ بحسب شهاب ـــــ كل المسلمين ونصف المسيحيين. حينذاك لاقى المعوشي الرئيس الخلف، شهاب، في فتح حوار مع مصر وسوريا قبل أن يختلف المعوشي مع عبد الناصر عندما أمّم مدارس الآباء اليسوعيين في مصر عام 1960. تغيّر الرؤساء من حول المعوشي وتعاقب على أيامه شمعون وشهاب والرئيسان شارل حلو وسليمان فرنجية، وصمد خياره الذي رمى دائماً إلى النأي بلبنان عن صراعات المحاور، وإن قاده هذا الخيار إلى دعم فريق دون آخر، وإلى أن ينقلب ضد الرئيس دفاعاً عن خياره. عندما كان السياسيون يختلفون مع البطريرك حينذاك لم يكونوا يحيلون التباعد إلى سلعة سياسية. كان الرؤساء بعد خروجهم من الحكم يذهبون لمصالحة البطريرك، وهم يعرفون أيضاً أنهم يتصالحون مع خياره.

على نحو مماثل، يواجه صفير حملة مشابهة. منذ انتخابه نادى بوحدة الموارنة والحوار ونبذ الحرب، وبعد تأييده اتفاق الطائف صار هاجسه مبرّر الوجود العسكري والسياسي السوري في لبنان. كان ذلك في صلب قراره مقاطعة انتخابات 1992 التي فرضتها دمشق وإحجامها عن سحب جيشها وتدخّلها في إدارة الحكم وتأليف الحكومات واللوائح الانتخابية، إلى أن أضحى تمادي هذا الواقع خياره الوحيد بإطلاقه عام 2000 حملته لإنهاء وجود سوريا في لبنان الذي لم ينته بمغادرة جيشها عام 2005، بل وجد البطريرك أنه خلّف أكثر من سبب وأداة كي يستمر الدور السوري يرعى مصالح دمشق في لبنان ويحدّ من سيادة هذا البلد. كان ذلك مغزى رفضه المتكرّر سلاح حزب الله وتمسّكه بالدولة مصدراً وحيداً للشرعية بمقوّماتها السياسية والعسكرية، رافضاً تحالفات إقليمية أبدلت النفوذ المباشر بآخر غير مباشر.
لم يتغيّر الخيار، بل السياسيون الذين كانوا معه والذين صاروا ضده.

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل