المحكمة الدولية وحوافز القضاء اللبناني
لن يُقرأ في لاهاي ما يُكتَب في بيروت، ففي لاهاي إنطلقت المحكمة، وفي بيروت إنطلقت المواقف من المحكمة لدواعٍ إنتخابية.
في مطلق الأحوال ليس بالإمكان إعتماد المحكمة لدواعٍ إنتخابية لأنه لو صحَّ هذا الأمر فإنها ستكون كذلك لدورتَين إنتخابيتين على الأقل:
دورة العام 2009 ودورة العام 2013، وهذا لا يمكن أن يحصل.
لقد خرجت المحكمة من أيدي اللبنانيين وصارت كلياً في لاهاي بين أيدي رئيس المحكمة الذي سيُعيَّن قريباً والقضاة الذين سيُقسمون اليمين مطلع الأسبوع المقبل وتُكشَف أسماؤهم والمدّعي العام القاضي دانيال بلمار الذي سيستمر أيضاً في دوره كرئيس لجنة التحقيق.
* * *
أهمية ما سيجري في لاهاي أنه سيُحفِّز القضاء اللبناني على إصلاح ذاته بذاته، فهو سيُراقب الأداء الرفيع والمحترف الذي سيجري هناك، فيسأل نفسه:
ما العوائق في أن يكون القضاء اللبناني على هذا الشكل؟
في العِلم والمعرفة والثقافة القانونية والقضائية لا شيء يمنع لكن الإختلاف مرتبط بالمناخ السياسي في البلد وبالوضع المادي للجسم القضائي، إن راتب موظف عادي في المحكمة الدولية، من أصل 350 عنصراً بشرياً يعملون في المحكمة، يوازي راتب مدّعي عام التمييز في لبنان، كما أن إستقلالية المحكمة في لاهاي توازيها في لبنان مداخلات سياسية وغير سياسية تضغط على الجسم القضائي.
الإصلاح أذاً يبدأ من هنا، وعلى السلطتين التشريعية والتنفيذية أن تولي الإهتمام لهذه القضية، ومن المفيد في هذا المجال العودة إلى ما تضمنه تقرير رئيس بعثة تقصي الحقائق بيتر فيتزجيرالد على إثر عملية الإغتيال في 14 شباط 2005، وما أسهب فيه في الحديث عن القضاء اللبناني كما عن الأجهزة الأمنية اللبنانية.
* * *
إن بلداً سليماً معافى هو بلدٌ قضاؤه سليمٌ ومعافى، ويبدأ الترهُّل في أي بلد حين يصيب الترهُّل قضاءه.
إن القضاء اللبناني مع إنطلاق المحكمة الدولية في لاهاي، لن يكون هو إيَّاه قبل المحكمة، فلا هذا الجسم سيبقى كما هو وليس من مصلحته أن يكون كذلك، ولا السلطات السياسية بإمكانها الظهور في المحافل الدولية بقضاء تشوبه العيوب.
* * *
إن مواكبة المحكمة الدولية لبنانياً، تكون في ورشة قضائية تُخرِج الجسم القضائي اللبناني من كونه غير قادر على حمل الملفات، صغيرة كانت أم كبيرة، فلا يصح أن نبقى دائماً نعتمد على الخارج لمعالجة ملفات داخلية، فأين (الثقافة السيادية) في هذه الحال.