تناسل الأزمات السياسية اللبنانية لا يوحي انعكاس المصالحات إيجاباً
يبدو ان التوقعات بأن تنعكس المصالحة السورية – السعودية ايجابا على الوضع السياسي اللبناني، بحيث تتقلص الخلافات تمهيدا لازالتها نهائيا، لم تترك اي اثر فاعل حتى ليل امس بل على النقيض، فالخلافات بين دمشق والرياض التي ارتفعت وتيرتها مدى 37 شهرا انحسرت في شكل واسع، وتجري معالجة القضايا العويصة التي كانت وراء تدهور العلاقات الثنائية وابرزها قضايا لبنان والعراق وتسلل المقاتلين.
وادى الانفراج الى تبادل الزيارات بين وزيري خارجية البلدين وليد المعلم للرياض بعد زيارة مدير الاستخبارات السعودية الامير مقرن بن عبد العزيز واول من امس زيارة وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل لدمشق، بحيث ان التفاهم على قواعد راسخة لمناقشة الخلافات حول اي ملف "تدار بمودة والاتفاق على الجوهر"، وفق تعبير الرئيس بشار الاسد خلال استقباله الامير والوزير السعودي، وذلك بأسلوب هادئ بعيد من الشحن الاعلامي والتجريح لقياديين البلدين. ونقل الفيصل دعوة رسمية الى الاسد من الملك عبدالله لزيارة المملكة خلال الايام المقبلة، بصفته الرئيس الحالي للقمة العربية، وهو سيسلم المهمات الرئاسية الى امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي ستترأس بلاده الدورة المقبلة للقمة الدورية في 30 آذار الجاري بدل موريتانيا.
ولاحظت مصادر قيادية انه كلما ازداد التقارب بين المملكة وسوريا وعادت العلاقات بينهما الى طبيعتها، والى التنسيق حول الصراع العربي – الاسرائيلي، و"مبادرة السلام العربية" التي طرحها العاهل السعودي في قمة بيروت العربية (2002) وتجاوبه مع اتجاه قوي من دول عربية في مقدمها سوريا الى انها لم تعد صالحة ما دامت اسرائيل لم تتجاوب معها حتى الآن، على رغم انها منذ الصيف الماضي اصبحت تسلم ببعض بنودها وهذا بتر لها، وبالتالي مرفوض عربيا. وترجم الملك عبدالله موقفه بالتأكيد في "قمة الكويت الاقتصادية والتنموية والاجتماعية" الاخيرة ان المبادرة لن تبقى صالحة الى الابد. كما اتفق ايضا على التنسيق حول العراق ولبنان وضرورة المحافظة على استقراره السياسي والامني بما يسمح باجراء الانتخابات النيابية في موعدها في السابع من حزيران المقبل. واوضحت ان الجانبين السوري والسعودي متفقان على ان هناك تحديات كثيرة مطروحة، مما يستدعي توحيد الصف العربي وتحصينه لمواجهتها. ونقلت عن السعودية انها تلعب دورا قويا لاعادة التقارب بين دمشق والقاهرة، لكن ذلك يحتاج الى تكثيف الاتصالات بين الطرفين حول مسائل خلافية عديدة ادت الى مزيد من التأزم خلال الحرب الاسرائيلية على غزة.
ولاحظت ان المسعى السعودي للتقارب بين القاهرة والدوحة لم ينجح ويحتاج الى الكثير من الجهد، ليس فحسب بسبب غزة وانعقاد مؤتمر تشاوري كانت قطر تطمح الى ان يكون قمة طارئة ووضعت مصر ثقلها لاحباط ما كانت تنوي الدوحة القيام به بذريعة ان النصاب القانوني لم يتوافر لعقد قمة، انما لان التشنج بلغ اوجّه بدعوة قطر ايران الى حضور القمة.
وقد لبى الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الدعوة، مما اغاظ السعودية ايضا وفقا للمعلومات الديبلوماسية التي توافرت لدى المصادر عينها. وتجلى استمرار الخلاف المصري – القطري ايضا بالدور الذي اضطلعت به الدوحة لتسوية الازمة بين المتصارعين في قضية دارفور. وتكرس الخلاف بين الجانبين بتغيب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني عن اجتماعي شرم الشيخ والقاهرة. الاول كان المؤتمر الدولي لاعادة بناء ما تهدم في القطاع، والآخر الدورة العادية الـ131 لمجلس وزراء خارجية الدول العربية التي عقدت اجتماعاتها الحثيثة في مقر جامعة الدول العربية. وابرز المواضيع التي عالجتها الدورة، التحضير لقمة الدوحة العربية الدورية وايضا للقمة العربية – اللاتينية التي ستلتئم في العاصمة القطرية. لهذه الاسباب كان الاجتماع المصري – السوري – السعودي على مستوى وزراء الخارجية، من دون مشاركة قطر التي كان رئيس وفدها ادنى من وزير الخارجية.
واعربت عن اسفها لكون التقارب السعودي – السوري الذي كان يعتبره الرئيس نبيه بري مفتاح الحل لانهاء التأزم السياسي والمذهبي في لبنان، لم ينعكس ايجابا على الواقع السياسي الذي يجتاز فيه الوقت الحاضر تراكما للازمات، من الفشل في تعيين نواب لحاكم مصرف لبنان الى تعيين خمسة اعضاء في مجلس القضاء الى تعيين محافظين اصيلين ومدير عام لوزارة الداخلية، على رغم اقتراب موعد الانتخابات النيابية، الى الفشل في اقرار الموازنة. واضيفت الى رزمة الازمات مذكرة التفاهم بين وزارة العدل ومكتب النائب العام لدى المحكمة الخاصة للبنان التي ستحاكم المتورطين في اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل اربعة اعوام.