إطمئنان نسبي إلى ضمان الأمن لا يلغي تساؤلات حيال واقع جديد
هل يفيد لبنان من المتغيّرات الخارجية قبل الانتخابات أم بعدها؟
يتمتع لبنان في زمن المتغيرات الاقليمية التي بدأت تتسارع بقوة على خط المصالحة العربية – العربية قبل انعقاد القمة العربية المقبلة في الدوحة وفي زمن انفتاح الادارة الاميركية الجديدة بموقع لا بأس به من حيث الاستمرارية في السياسة الخارجية الاميركية لادارة الرئيس باراك اوباما حيال تلك التي اعتمدها سلفه الرئيس جورج بوش بتخصيص لبنان بموقع لا يرتبط بالسياسة الاميركية حيال دول المنطقة. وهذا المشهد كان معبرا، وفق مصادر وزارية متابعة، في قمة شرم الشيخ مطلع الاسبوع الحالي التي انعقدت من اجل اعادة اعمار غزة، فجلست وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون في المؤتمر محاطة بكل من المبعوث الاميركي الى الشرق الاوسط جورج ميتشل اللبناني الاصل وبمساعدها لشؤون الشرق الاوسط بالوكالة جيفري فيلتمان الذي شغل منصب السفير في لبنان في الاعوام الماضية والتي شهدت الكم الهائل من الاغتيالات السياسية ومحاولة استعادة لبنان سيادته واستقلاله، والذي عمل بدأب على تخصيص اهتمام اميركي بلبنان لا سابق له والمرشح لان يشغل منصب مساعد وزيرة الخارجية بالاصالة. فهذه المسائل البسيطة لا يستهان بها جنبا الى جنب مع زيارة فيلتمان ومسؤول قسم الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي دانيال شابيرو للبنان قبل توجههما الى دمشق وفي طريق العودة منها، وذلك نقيض ما كان يحدث في السابق عندما كان الزوار الاجانب يزورون دمشق قبل وصولهم الى بيروت وفي طريق عودتهم منها.
هذا الانفتاح الاميركي على سوريا وفق المسار الذي يسلكه والمصالحات العربية – العربية يفترض ان تكون جميعها عامل اطمئنان نسبياً الى ضمان التهدئة السياسية والكلامية وحتى الامنية وهي الاهم، خصوصا عشية الاستحقاق الابرز الذي تشكله الانتخابات النيابية، باعتبار ان لا شيء يتقدمها في الاستحقاقات المحددة، فضلا عن عدم امكان تعريض لبنان في اي شكل او بعض جوانب الوضع فيه لعامل المقايضة بين القوى الاقليمية على ما توحي المفاوضات الاسرائيلية – السورية غير المباشرة حتى الآن، وذلك باعتبار ان اسرائيل تميل على نحو دائم الى تكليف سوريا نزع سلاح "حزب الله" او ضبطه او "المونة" عليه. وسوريا تستدرج هذا النوع من التكليف ايضا من جهتها.
الا ان الاسئلة التي يستدرجها هذا الواقع الجديد في ضوء كل ذلك تتمحور على مجموعة امور من بينها: كيف يمكن لبنان الافادة على نحو كلي من هذه المعطيات؟ وكيف يمكنه توظيفها في الداخل؟ هل يمكن ان ينعكس ذلك على مرحلة ما قبل الانتخابات وكيف؟ ام هي ستوظف في مرحلة يمكن قطف ثمارها بعد الانتخابات من حيث احتمال نضوج اجواء المصالحة على نحو افضل بعد اشهر قليلة، باعتبار ان التحالفات الانتخابية معروفة الاتجاهات ويصعب تداخلها او تغييرها قبل 7 حزيران؟
وعلى رغم ذلك كله يمكن العمل في مرحلة ما بعد الانتخابات على انشاء حكومة وحدة وطنية لا تبدو متاحة فرصها وفق كل السيناريوات المحتملة في ضوء رفض الاكثرية من اليوم المشاركة في حكومة وحدة وطنية اذا فازت قوى 8 آذار على قاعدة رفض النائب سعد الحريري تكرار تجربة والده أقله في الحكم في ظل الضغوط التي تضعه في الواجهة من دون ان تسمح له بممارسة الحكم، ومن منطلق المثل الشعبي "ما متّ ما شفت مين مات"؟ وهل ان هذه العوامل الايجابية اي المصالحات العربية التي يتم العمل على اكتمال فصولها في الاسابيع الفاصلة عن القمة التي ستنعقد اواخر الشهر الجاري والانفتاح الاميركي ستزيل كلها العامل الاقليمي الذي طبع الصراع الداخلي في المرحلة الماضية، من حيث عدم خوض سوريا معركة بذل جهود وممارسة نفوذ من اجل تأمين فوز حلفائها بالاكثرية النيابية في المرحلة المقبلة انتقاما من اكثرية ناصبتها العداء على اثر اغتيال الرئيس الحريري، واكتفاء الاميركيين من جهتهم بتوفير اجواء اطمئنان مناسبة لقوى 14 اذارتسمح لها بتركيز جهودها على الفوز في الانتخابات وليس الانشغال بأي امر آخر؟ يذكر ان متابعين سياسيين وديبلوماسيين لا يعتقدون ان بروز هذه العوامل الايجابية الاقليمية على سطح الاحداث سيحول دون السعي ضمنا وبعيدا من الاضواء الى تحقيق سوريا فوز حلفائها في الانتخابات، والامر نفسه ينسحب على الحلفاء الاقليميين لقوى 14 أذار، بل على النقيض من ذلك، اذ ان لا شيء يمنع الجمع بين المجدين كما هي الحال بالنسبة الى سوريا من حيث تأمين المتطلبات الدولية بالانفتاح عليها واحترام استقرار لبنان قبل الانتخابات والاعتراف لاحقا بنتائج الانتخابات في ظل التشديد عليها عربيا ودولياً، والسعي ضمنا في الوقت نفسه الى تأمين عودة نفوذها الى لبنان عبر فوز حلفائها ؟
ثم هل تنعكس المصالحات العربية – العربية والانفتاح الاميركي على سوريا ايجابا على موقع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان انطلاقا من معطيات موضوعية تقضي دعم موقفه المتوازن والحكم بين فريقي 14 و8 آذار، علما ان الرئيس سليمان كان ممن نصحوا الأميركيين بقوة بالانفتاح على سوريا والتحاور معها، كما نصحهم بالتحاور معها في موضوع حركة " حماس" ابان الحرب الاسرائيلية على غزة باعتبارها مؤثرة وفاعلة في هذا المجال؟
هذه الاسئلة واسئلة اخرى لا تجد اجوبة عليها منذ الان باعتبار ان التطورات لم تكتمل فصولها بعد. الا ان ذلك لا يمنع طرحها ومحاولة استكشاف ما تقود اليه من اليوم.