حين تنفجر الغطرسة!
لم يسبق في الدورات الانتخابية التي عرفها لبنان، على اختلاف القوانين الانتخابية التي اعتمدت فيها، ان اخضعت دوائر محددة لتصنيف مميز وصارم وصارخ في حدته على غرار ما يجري عشية الدورة المقبلة في 7 حزيران.
يخال "المراقب" من بعد، ان أمكن توافر الصفات الباردة للمراقبة في عز هذا الاحتدام المتصاعد الساحق الماحق، ان ثمة دوائر انتخابية تُساق بقوة قسرية هائلة الى مصير التحكيم الحاسم في السباق بين الزعامات اكثر من أي شيء آخر. شيء كثير من انفجار "الغطرسة الزعاماتية" يدفع بهذه الانتخابات لتكون استفتاءات شخصية اكثر منها استفتاءات بين مشاريع حين تحصر "وظيفة" دوائر انتخابية بان تقول في النهاية كلمتها الفصل في صيرورة زعامة وليس في مصير نظام وسياسة ومشروع دولة.
بطبيعة الحال ثمة تجارب عدة مماثلة في تاريخ الجمهورية الاولى كانت معها الانتخابات تحطم زعامات وتقيم زعامات مكانها، أو تؤدب زعماء وتعوّم زعماء محلهم. لكنها هذه المرة تجربة تحمل الكثير من المفارقات التي لو أدرجت في مدونات السلوك للزعماء وسير الزعامات بين الماضي والحاضر لجاءت في مجملها جانحة بقوة لغير مصلحة المقاسات الراهنة المقدودة على صورة الزعامة.
فلا يكفي على الاطلاق معيار الشعبية وحده في ساحة من هنا وساحة من هناك لاختصار الانتخابات برموز يكاد بعض الجماهير، تحت وطأة الدعاية المفرطة، ان يغرق وهماً في اعتبارهم "رافعة" الوطن وبدايته ومنتهاه. لو صح هذا المعيار فعلاًفان ذلك يعني ان لبنان بدأ عام 2005 في دورة انتخابية حملت الى مجلس النواب ما لا يفوق ثماني كتل نيابية اختصرت سائر "المؤمنين" وكل ما عداهم "هوامش". ولو صح هذا المعيار لكان لبنان 2005 هو النموذج الذي لا قبله ولا بعده لان نحو ثمانية زعماء يكفون لاقامة فيديرالية الزعامات والطوائف والقوى في "لويا جيرغا" لبناني، وكفى "الرعايا" لهاثاً واقتتالاً وطموحات نحو أي دولة موهومة أخرى.
هذا التصنيف الجاري لدوائر الحسم الآن، يستحضر الكثير من الماضي السيىء للجمهورية الاستقلالية الاولى، ولا غرابة في ذلك ما دامت جمهورية 2005 عجزت عن اجتراح قانون انتخاب عصري أو تبنيّه وعادت القهقرى 48 عاماً الى الوراء لتستعين بقانون 1960. ربما جاء ذلك على الارجح تحت وطأة انفجار الغطرسة الزعاماتية التي حظي بها زعماء لم يعد جمهورهم يرضى باسباغ الاوصاف الشخصية والبشرية الطبيعية عليهم فباتوا اشبه بالسلاطين. وها هي الدوائر المسوقة الى الحسم مدعوة الى تحكيم معيار الزعامة قبل اي معيار آخر، ولو بقلة قليلة من مقاعد نيابية يصطلح على انها ستشكل الفارق بين اكثرية 2009 واقليتها لاربع سنوات مقبلة.
يأخذ الاعتداد بهذا التمييز بناخبي هذه الدوائر فيظنون انهم مواطنون من "الدرجة الألماسية" الأولى فيما سواهم من الدرجة "الدونية". ويفوتهم على الأرجح ان هذا "الامتياز" يحمل ذروة المهانة ضمناً لانهم سيغدون "الرقم" و"العدد" الذي سيقام على أساسه خط العزل والفصل ان هم ارتضوا وظيفة زيادة عدد أو انقاص آخر فقط لتعويم زعامة أو اسقاط اخرى.
كما يفوتهم على الارجح، وهنا بيت القصيد. ان انجرافاً الى انتخابات زعاماتية من دون اقتراع لمشروع دولة موصوف، سيمطرهم ودوائرهم بكل الآتي بعد حزيران 2009 من جراء اصطفاف غرائزي أعمى وراء المعيار الشخصي وحده.
والوقت لم ينفد بعد للتبحر في السنوات الأربع الآفلة وما يعنيه استجرار مثيلاتها إن لم يقترع "المميزون" لمشروع دولة تلغي كل هذه الغطرسة.