لماذا قد تحاول قوى 8 آذار تعطيل الانتخابات النيابية؟
كأنما السؤال لم يعد: مَنْ يربح في الانتخابات ومن سيخسر، وانما، هل ستجري الانتخابات في موعدها ام لا. وكلّما قاربنا هذه الحالة، ومن خلال المعطيات الموجودة نميل الى الاعتقاد أن الأقلية التي شعرت وربما تأكدت انها ستبقى أقلية بعد الانتخابات، ستعمل بكل وسائطها "الديموقراطية" لكي تعطل الاستحقاق الديموقراطي في الانتخابات والدلائل كثيرة: منها ان العام المنصرم تحديداً كان عام الهزائم النقابية والاجتماعية والسياسية والجامعية بالنسبة لـ 8 آذار، وخصوصاً بالنسبة لجنرال الهزائم ميشال عون وهذه مؤشرات أساسية عنت الكثير اهلَ المنقلبات تضاف اليها الاحصائيات التي قامت بها مؤسسات تابعة للأقلية وأخرى حيادية وأخرى للأكثرية وتقاطعت كلها على ان النتائج باتت معروفة، وان الأكثرية الحالية ستزداد اكثريتها في المجلس العتيد اذا تمت هذه الانتخابات. ولهذا بدأ التلميح الى احتمال التعطيل، وبدأت التحضيرات المتصلة بالأقلية لوضع مخططات "انقلابية" وربما أمنية مصحوبة بحملات اعلامية، معلومة وتجييش سياسي واستعادة لغة التخوين والتخويف والترويع… وربما الغزو!
ونظن أن حجم التظاهرة الأخيرة التي نظمتها قوى 14 آذار في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري فاقت كل "تصوراتهم" وصدموا بقوة بهذا التزايد الملموس في شعبية ثورة الأرز لا سيما في ما يسمى البيئة المسيحية وتقلص شديد في شعبية ميشال عون فكأن هذه التظاهرة كانت استفتاء عمومياً للانتخابات، واستفتاء بتساقط ميشال عون في مختلف المناطق التي كانت تحسب له فيها الأكثرية الطاغية (70 في المئة) وقد عرفت الأقلية ان لا الانقلابات "العبسية" ولا الكانتونية ولا الغزوات ولا الاغتيالات ولا محاصرة الحكومة ولا تعطيل مجلس النواب ولا الاغتيالات ولا التهديد بحروب أهلية ولا ترويع المجتمع المدني ولا العراضات العسكرية ولا القبضات المرفوعة ولا الشعارات المنفوخة ولا التصاريح العنترية الرجراجة ولا فجاجة الكلام ولا الثلث المعطل ولا الزجليات اليومية ولا "قرادات" زغلول الرابية ولا اعلان انتصارات الوصايتين على أرضنا وفي فلسطين… قد انجدتهم. بل على العكس فقد شكل كل ذلك ردة فعل عارمة عليهم وعلى اساليبهم وعلى نياتهم وعلى أهدافهم (المعلنة والمبيتة) فافرنقع كثيرون عنهم وانضموا الى الضفة الأخرى اي الى اختيار "لبنان أولاً" والديموقراطية والدولة والعروبة والسيادة والاستقلال والتعدد والسلم الأهلي والازدهار الاقتصادي واللاتبعية وعدم الاستمرار في ابقاء البلد رهينة في يد هذه الوصاية أو تلك، او ورقة على هذه الطاولة أو تلك، أو موضع مساومة هنا وهناك: فلبنان العروبي للبنانيين المفتوحين على محيطهم العروبي وعلى العالم وعلى الحداثة والتنوير واحترام حقوق الفرد والجماعة وحرية التعبير…
فالأكثرية تعني اليوم استفتاء للدولة. وتالياً استفتاء عبر الانتصارات النقابية وسواها ولا سيما تظاهرة 14 آذار، لوحدة البلد ولمؤسساته وللديموقراطية. وهذا يعني ان الجهة الانقلابية المدججة بالاسلحة (تحت شعار الدفاع عن لبنان) والمال وبلغة الالغاء، انما تريد ان تشكك أولاً بوجود هذه الديموقراطية وهذا ما فعلته على امتداد السنوات الأربع الأخيرة (وهذا ما مارسه رموزها على امتداد عهود الوصايتين) وان المقاومة المدنية ضد كل اشكال المنقلبات والهيمنة بالبلطجة والقوة، تهدد "حرية" "المقاومة" (ما زالت بعد التحرير) والقرارات الفردية الحزبية التي من غير الوارد ان تشارك فيها لا الدولة ولا الناس (فقرارات الحرب والسلم في لبنان هي من شأن الوصايتين وسواهما. وان انتزاع هذين القرارين من قبل اي جهة داخلية عبر الانتخابات أو عبر اي وسيلة أخرى هي "خيانة" وطنية تخدم العدو الاسرائيلي وقوى "الاستكبار" العالمية! (برافو).
اذاً الديموقراطية اليوم، هي العدو الأول للأقلية والخطر الحقيقي الذي يُهدد حرية استباحة الدولة والمؤسسات والكانتونات المعلنة وغير المعلنة في الضواحي وتهدد كذلك السلاح غير الشرعي والبؤر الأمنية خارج المخيمات وتصيب "استراتيجية" التبعية للوصايتين في صميمها، وتنتزع منهما "الانتصارات" الوهمية التي يُعلنان باستمرار في مناسبة وفي غير مناسبة تحقيقهما في لبنان ضد اميركا واسرائيل وكذلك في فلسطين وكما تمكنت الوصايتان عبر "حماس" خصوصاً من فرض تقسيم التقسيم على مشروع الدولة الفلسطينية لالغائه على المديين القريب والبعيد، فان هاتين الوصايتين عبر الحروب والممارسات ما زالتا تسعيان الى تأكيد هذا النموذج التقسيمي في لبنان بحيث تكون هناك "شرعيتان" :الشرعية المنبثقة عن الديموقراطية المباشرة والأكثرية و"شرعية" الميليشيات والقوى المسلحة والشراذم التقسيمية، بحيث يبدو ان لبنان الواحد الفعلي غير موجود، بل وان هناك لبنانيين أو دولة ودويلة او عودة الى اللغة الاستعمارية: لبنان مجموعة شعوب تتلاصق او تتلازق بقوة الخارج وتفرط بقوة الخارج أيضاً.
ونظن ان مجمل الممارسات المبرمجة التي تجسدها الأقلية بجدارة احياناً وبغباء أحياناً أخرى لترسيخ هذه الصورة الهشة عن لبنان، واجهتها القوى الشعبية. بعناد وايمان ووعي لا مثيل لها عبر ترسيخ تعددية المجتمع المدني (وبديله تقسيمي وتهشيمي عند هذه الأقلية) والاستعداد للدفاع عن القيم التي يجسدها لبنان عبر تمسكه بمحورية الدولة والجيش والحرية والعدالة. من هنا ان القوى الشعبية المسالمة المتحفزة بوسائلها السلمية هي التي احبطت مخططات الأقلية التي تزداد أقلية، سواء امام العرب ام العالم: فالصورة الواضحة لدى الجميع أن هناك اكثرية متزايدة ملوّنه، وخصبة تدافع عن وجودها بمقاومة يومية في وجه الانقلابات العنفية المتعاقبة، وان هناك اقلية تريد ان تحكم بديلاً من الأكثرية بمعونة الخارج وانها تعتمد في سبلها على كل ارثٍ الحركات والأنظمة والأحزاب الفاشية التي عرفها العالم خصوصاً في القرن العشرين.
على هذا الأساس لا يمكن ان نصدق ولو لحظة ان القوى المستقوية بالخارج (لا بشعبها) يمكن أن تؤمن بشيء إسمه الديموقراطية في لبنان، بمفاعيلها وآثارها ولا يمكن بأي طريقة أن تقبل نتائج الانتخابات إلا إذا توّجت بنصر "إلهي" قائم على القوة، وعلى التزوير، وعلى المال، والسلاح. ولم تكن مستغربة التصاريح التي أدلى بها بعض رموز 8 آذار، من أنَّ أياً تكن نتيجة الانتخابات العتيدة، فإنهم سيحتفظون بالثلث المعطل بمعنى آخر ها هم يعلنون النتائج سلفاً: سنتحكم بالدولة سواء ربحنا أو خسرنا. وكذلك لم تكن مستغربة تصاريح بعض الرموز الأساسية والثانوية من أن 14 آذار ما زالت أقلية وأن ميشال عون ما زال في موقعه الاستثنائي ولهذا فإن هذه القوى ستستخدم المال السياسي. ولهذا معنيان: أولاً التمهيد لعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات إذا لم تكن في مصلحتهم، وثانياً العودة الى الاستراتيجية المسلحة في مواجهة المجتمع المدني، أو في أحسن الأحوال الدخول في الحكومة لضربها من الداخل، وإبقاء الشارع من أدوات الضغط والتعطيل والإلغاء: أي إبقاء العنف سيفاً مصلتاً فوق رؤوس الفائزين بالانتخابات. وكل هذا لا يبشر بالخير، ولا يدل على أن 8 آذار (المجسدة بـ7 أيار)، قابلة للانخراط في لعبة السياسة، والانحياز الى البلد، وإلى دوره، واستقلاله، وسيادته، وديموقراطيته. فوجود هذه القوى مرهون بفرض نفسها بالقوة، وبخروجها من البنية السياسية، وبتهميشها وحدة البلد، وبتخريبها الاقتصاد. وهذا قد لا يتاح لها كاملاً إلا بانتزاع السلطة كل السلطة، من دون أي شريك (سوى من ترتبط بهم في الخارج)، ومن دون أي اعتراف بالآخر، إلا بكونه عميلاً، وشريراً، وتابعاً، وخائناً. حتى لو كان هذا الآخر "أكثرية": بمعنى أن لا الأكثرية تهمها لا متطلبات الأكثرية، ولا حتى كون هذه الأكثرية من شعبها: فبحسب منطقها ومنطوقها كما خبرناه، أن لا مانع لدى الأقلية من تخوين أكثرية شعبها وهذا ما قالته ومارسته مراراً عندما ساوت أكثرية شعبها بالعدو الصهيوني، كمبرر لإنقلاباتها وغزواتها في بيروت والجبل والبقاع واستفزازاتها العسكرية في كسروان والمتن. فأكثرية شعب بكل مكوناته يمكن أن تدرج في خانة العدو الصهيوني: والأقلية هي الاستثناء. أما لماذا ازدادت الأقلية أقلية برغم استثنائيتها.. فهذا ما لا يجوز لا تحليله ولا مقاربته لا من بعيد ولا من قريب.
هذه النزعة الانفصالية مفهومة. وقد سبق أن اتبعتها ميليشيات في السبعينات والثمانينات عندما جعلت من مجموع الشعب شراذم وتقسيمات مرتهنة بهذه الجهة أو تلك ليسهل تبادل التخوين ويكون الجميع في نهاية المطاف "خونة" و"عملاء" ومجرد محميات أجنبية. وهذا ما كدنا نصل إليه عندما تحولت الحروب بين الميليشيات الطائفية ومن ثم المذهبية الى حروب دول عربية وغير عربية بدم اللبنانيين ومصيرهم وكرامتهم، لا سيما عندما وقع كثير من هؤلاء في فخ منطق الميليشيات الطائفي، وهذا ما بَرَّر المذابح والاجتياحات المتبادلة. فلماذا لا نعود الى السابق كأنما يقول أهل 7 أيار: أن يحوّل الجزء الأكبر من شعبهم عميلاً بقضه وقضيضه، تماماً كما تم إفراز هذا الشعب في الحروب الماضية بين شعب وطني وشعب إنعزالي، بين شعب عميل وشعب مناضل، بين شعب لبناني وشعب غير لبناني. إذاً الإصابة تدرك حتى الهوية نفسها. والتاريخ. والجغرافية وصولاً الى الفينيقيين والعرب… وإسرائيل! وهذا ما يتردد اليوم عند أهل 7 أيار الميمونين بنصرهم الإلهي على بيروت، بحيث أعادوا لغة التصنيف، ونبش القبور، ويحاولون (ولو بطريقة غير مباشرة أحياناً) اتهام العروبيين من 14 آذار بالخيانة (في الثمانينات علقت يافطات في الشوارع من عناوينها "العروبة بدعة صهيونية" أو "العروبة والصهيونية وجهان لعملة واحدة"… إذاً الإفراز يتكرر ولو بصيغ أخرى، وتتخذ المعركة السياسية بعض هذه السمات خصوصاً عندما تخترق إيران (إسرائيل اخترقت قبلها) بشعارات دينية ومذهبية الهوية العروبية نفسها، والحضور العربي في الأزمات العربية فيهزأ مثلاً خامنئي من الذين يعتبرون أن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي صراع عربي ـ إسرائيلي! إذاً ها هو مرشد الثورة حفظه الله ينتزع من العرب عروبتهم وهويتهم وانتماءهم.
من هنا نلمس نوعاً من انتفاضة جديدة باتجاه العروبة والتمسك بها، دفاعاً عن التاريخ والقومية العربية في وجه المثلث الفارسي والتركي والإسرائيلي التي تتسابق (وإن على تقاطع أحياناً) على انتزاع المبادرة من العرب بمؤسساتهم (الجامعة العربية) وأنظمتهم (على رداءة بعضها وتواطؤ بعضها الآخر مع هذا المنحى الخوارجي). ولقد هال هؤلاء "الخوارجيون" أن تعلن قوى 14 آذار عروبتها (بعدما كان لبعضها في العقود الماضية أن يتنصل أو أن يخرج منها أو أن يشكك فيها وقد دفع الثمن غالياً بشلحه جلده)، وانحيازه الى عروبة لبنان (متمسكة بلبنانيته وتميزه) وبعروبة فلسطين وخصوصاً غزة.
إن كل هذه التحولات التي اعتملت في اللامنظور وفي اللامنطوق على امتداد الوصايات قد تبلورت بعد إعلان ثورة الأرز وهذا ما منحها دفعاً في اتجاهات عديدة: من لبنان أولاً الى لبنان العروبة أولاً، الى لبنان ـ الديموقراطية أولاً، الى لبنان التعددية أولاً، الى لبنان التنوير أولاً الى لبنان المنفتح أولاً، الى لبنان السيادة أولاً، الى لبنان الاستقلال أولاً، الى لبنان الدولة أولاً، الى لبنان المجتمع المدني أولاً، الى لبنان العدالة أولاً، أي صار لبنان، بأكثرية، مجموعة أولويات تشكل هذه الهوية المفتوحة، بقيمها، المتعددة بانسجامها، هذه الهوية العروبية (لا عروبة الأنظمة الاستبدادية والأحزاب الشمولية)، وهذا الانتماء الجامع بين الإرث التاريخي والمشروع المشرع على الحاضر والمستقبل. ونظن أن مجموعة هذه القيم التي ذكرنا والتي باتت من مكونات 14 آذار، هي النقيض الفكري والسياسي لمكونات 8 آذار… ونظن أن هذه العوامل لا يمكن فصلها إطلاقاً عن محتويات المعركة الانتخابية النيابية: صراع بين فكرتين، وانتماءين، واتجاهين وعلى هذا الأساس يُحسّ أهل 8 آذار المجسدين رائعاً بـ7 أيار الميمون، (وهو الترميز الأبهى لخروجهم من العروبة واللبنانية: لا عروبة في لبنان بغير لبنانيتها، ولا لبنانية بغير عروبة!)، ان الزخم الشعبي المتصل باقتناعات 14 آذار قد ازداد تماسكاً وقوة واصراراً على الدفاع عن انجازاته، وقسماته التاريخية وتجذره.
وعلى هذا الاساس تبدو لهم المعركة الانتخابية (بعدما صارت المحكمة الدولية خارج متناول كل الأطراف) حاسماً بين توجهاتهم وتوجهات خصومهم السسياسيين، بل واساسية في استعادة دور لبنان المستقل، بأطيافه وتنوعاته واحلامه وطموحاته. وهذا ما يحث قوى 7 أيار على مزيد من الاصرار على تعطيل الانتخابات لا لخسارتها السياسية فقط كقوى محلية، بل لخسارتها "الأيديولوجية" والعقائدية والانتمائية والفكرية… واستراتيجيتها التقسيمية لا على صعيد لبنان بل على صعيد المنطقة: وغزة افضل نموذج من نماذجها.
ونظن انه ولو عطلوا الانتخابات فلن يعطلوا نمو هذه الظواهر الايجابية عند قواعد 14 آذار، بل على العكس، سيزيدونها قوة وايماناً وانتشاراً وتجذراً.