زيارة فيلتمان وشابيرو تكتسب أهميتها في تبديد المخاوف من الانفتاح
واشنطن تواجه استحقاق ايجاد شركاء حقيقيين للسلام
أخذت زيارة مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط السفير جيفري فيلتمان ومدير الشرق الأوسط وشمال افريقيا في مجلس الامن القومي دانيال شابيرو للبنان ابعاداً مهمة نظراً الى سلوك الوفد الاميركي لبنان ممراً للعبور الى دمشق والعودة منها، وكذلك بسبب الرسالة التي حملتها الزيارة في الشكل والمضمون الى كل من البلدين، والتي اظهرت ان هناك سياسة اميركية جديدة في اتجاه دول المنطقة لكنها ليست جديدة فعلا في اتجاه لبنان بل هي على ثباتها في العناوين الكبيرة الداعمة للمحكمة الدولية وللسيادة والاستقلال والاستمرار في دعم هذا الاتجاه وعدم التفريط به واستقرار الوضع فيه، مما يقفل الباب على مخاوف اللبنانيين من ثمن للانفتاح قد تسعى سوريا الى توظيفه بحنكة وفي التفاصيل الصغيرة والمؤثرة، والتي تملك الكثير من اوراقها، ليس بغطاء اميركي ضرورة بل بابتعاد اميركي عن لبنان نحو اولويات اخرى اكثر أهمية بالنسبة الى الولايات المتحدة الاميركية. والمقاربة مع سوريا هي في اطار الاستكشاف حتى الآن والمدى الذي يمكن ان يقود اليه الانفتاح في ظل العناوين المعروفة أي السلاح النووي ومدى احتمال التزام سوريا الخضوع لمراقبة وكالة الطاقة الدولية وموضوع دعم "التنظيمات الارهابية" كما تصنفها واشنطن، الفلسطينية منها و"حزب الله" في لبنان، الى التزام تطبيق القرار 1701 وعملية السلام في المنطقة. وذلك لأن التعاون السوري البناء من شأنه ان يعيد سوريا الى الحظيرة الدولية بالتزامن مع تعويم "قانون محاسبة سوريا" الصادر عام 2002 في الكونغرس الاميركي، واتخاذ موقف من الملف النووي السوري ايضاً.
الا ان ثمة ابعاداً اخرى حرص فيلتمان على ابرازها في موازاة المواقف الاميركية المطمئنة في شأن لبنان، تتعلق بتأكيد تمسك الادارة الاميركية بالتوصل الى حل للصراع العربي – الاسرائيلي، وثقة هذه الادارة بحل الدولتين بين الفلسطينيين واسرائيل، باعتبار ان هذا الموضوع هو شأن عربي ودولي واجه مأزقاً وتحدياً حقيقيين بعد الحرب الاسرائيلية على غزة، بالاضافة الى رغبة قوية من الدول الكبرى المهتمة بأن تولي ادارة الرئيس باراك اوباما ازمة الصراع العربي الاسرائيلي اولوية في جدول اعمالها، والا تترك لولاية أوباما الثانية او للسنتين الاخيرتين من ولايته الحالية. وهذه الابعاد نفسها اعلنتها وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون في مؤتمر اعادة اعمار غزة مطلع الاسبوع المنصرم، كما في اسرائيل على نحو وجَّه رسائل قوية الى بنيامين نتنياهو المكلف تأليف الحكومة الاسرائيلية، حول ما يمكن ان ينتظره من الادارة الاميركية الجديدة في هذا المجال.
هذا العزم الاميركي سيتمثل في توجه المبعوث الاميركي للمنطقة جورج ميتشل الى بعض الدول المعنية مجددا أواخر الشهر الجاري، تأكيدا لاظهار الجدية التي تعبر عنها الديبلوماسية الاميركية الجديدة والتزامها العمل على حل الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية. الاا ن التحدي الذي يواجه هذا الالتزام في المدى القريب هو غياب الشركاء الحقيقيين والفاعلين الذين يمكن ان يعملوا على الانخراط بسرعة في هذا المسعى، بدءا من اسرائيل نفسها حيث لا يشكل نتنياهو الشريك الفعلي للولايات المتحدة نحو السلام وهو من جعل افرقاء اساسيين ينأون بأنفسهم عن المشاركة معه في الحكومة الاسرائيلية العتيدة الى حد الرهان على ان اي حكومة متطرفة يرئسها نتنياهو ستقوده سريعا الى الفشل حيال الداخل الاسرائيلي من جهة ومع الولايات المتحدة الاميركية من جهة اخرى، مما يجعل احتمال اللجوء الى انتخابات اسرائيلية جديدة احتمالا قوياً تعود بموجبه تسيبي ليفني مسلحة بقوة اكبر من التي حصلت عليها الانتخابات الاخيرة.
هذا لا يعني في المقابل ان الافرقاء الاخرين جاهزون للسلام، فالسلطة الفلسطينية كشريك مفاوض في مقابل الاسرائيليين في حال ورود ذلك تبدو ضعيفة جدا على رغم مساعي رأب الصدع والمصالحات، وقد يمر وقت طويل قبل ان يتحقق فعلاً، الامر الذي ينسحب على دول عربية عدة متحفظة او غير مندفعة نحو السلام في المرحلة الراهنة. وهذه النقطة تحديدا ناقشها الوفد الاميركي مع بعض المسؤولين اللبنانيين باعتبار ان سوريا تظهر استعدادا للسلام وطلبت من تركيا معاودة المفاوضات بينها وبين اسرائيل في حين اعلنت الادارة الاميركية الجديدة تمسكها بالحل الشامل، وقد تؤدي استعدادات سوريا ورغبة نتنياهو في التفاوض مع سوريا لعدم ايمانه بحل الدولتين الى اتفاقات جانبية بين الجانبين. قد تكون الامثل بالنسبة الى كل منهما في رأي بعضهم، اذ ان هذه الاتفاقات قد تنطوي على اثمان لن تكون واردة في الحل الشامل، وقد تشمل لبنان، خصوصا ان اسرائيل طامحة دوما الى تكليف سوريا رعاية ضبط أي سلاح يوجه من جنوب لبنان ضدها، الامر الذي قد يكون مفيدا للادارة الاميركية الجديدة اخذه في الاعتبار من زاوية اعطاء الاولوية القصوى للملف الفلسطيني مع اسرائيل، وهذه المسألة تم التنبه اليها لدى معاودة المفاوضات الاسرائيلية السورية برعاية تركية عام 2006، وتلقت اسرائيل تحذيراً من هذا التوجه، الامر الذي قد تحتاج ادارة اوباما الى تكراره مجدداً على مسامع نتنياهو.