الكلام الصغير والحرم الكبير
ان يعقد المجلس الكاثوليكي للاعلام مؤتمرا صحافيا في دار نقابة الصحافة، للرد على الحملات المشينة التي تستهدف راس الكنيسة المارونية البطريرك صفير، ويذهب احد المطارنة الى حد التلويح بالحرم الكنسي الكبير في حال استمرار مثل هذه الحملات، فهذا يعني ان هناك تجاوزات فظيعة تحصل للمحرمات الدينية و تهديدات فعلية للمرتكزات القيمية والاخلاقية التي يقوم عليها المجتمع المسيحي، الذي هو جزء لا يتجزأ من المجتمع اللبناني المتمّيز بحساسيته المفرطة تجاه العبث بهذه المرتكزات.
فالى جانب موجة الاستياء والاستكار جراء عدم التزام حدود حق التعبير وآدابه، ثمة تساؤلات كثيرة بدات تثار في السر والعلن عن خلفيات هذه الحملات وغاياتها. ومن هذه التساؤلات: ماهي الخطايا التي ارتكبها البطريرك صفير ليستحق التعرض بما يتعرض له من حملات طائشة وسفيهة. فهل خطيئة هي مساهمته في اتفاق الطائف الذي اوقف الحرب الاهلية بعد ان تخلى الاقربون والابعدون عن لبنان على مدى اكثر من خمس عشرة سنة، ام هي جريمة رعايته للمصالحات في الجبل بعد عقود من الاحتراب والتقاتل، ام خيانة وطنية ارتكبها البطريرك صفير بحق لبنان في رفضه زيارة سوريا خلال رحلة البابا اليها قبل ان تقوم سوريا باعادة انتشار قواتها كما نص اتفاق الطائف وتلتزم بتعهداتها ازاء سيادة لبنان واستقلاله؟ ام هي مؤامرة رعايته لنداء المطارنة عام 2000 الذي اعطى زخما لانتفاضة اللبنانيين على سلطة الوصاية وموبقاتها؟! ان التهجم على البطريرك صفير يثير الدهشة والتساؤل ليس فقط عند المسيحيين من ابناء الرعية والكنيسة بل تعتري الدهشة معظم اللبنانيين من ابناء الطوائف الاخرى الذين باتوا يعتبرون البطريرك صفير بطريركا للبنان كل لبنان وليس فقط للموارنة والمسيحيين. فالمواقف الوطنية والاخلاقية والانسانية للبطريرك صفير التي تطلق من خلال عظاته الاسبوعية او بيانات المطارنة الشهرية او من خلال المقابلات والاحاديث المباشرة مع غبطته عن هموم الناس اليومية، يعتبرها معظم اللبنانيين مواقف معبرة عن هواجسهم وامالهم، مواقف نابعة من المحبة و الايمان المسيحي بقيامة لبنان ويقظة ابنائه.
ان اي لبناني عاقل ومتزن وبغض النظر الى اي مذهب او طائفة انتمى يشعر بالاهانة عندما يستمع او يشاهد او يقرا اي كلام مسيء بحق البطريرك صفير الذي قلما تشعر بموقف من مواقفه او فكرة من افكاره او راي من ارائه، تشذ او تحيد عن الاسس و المبادئ التي تزاوج بين تعاليم الكنيسة ومحبة الاوطان.
لقد استحق البطريرك صفير ببساطة اسلوبه وروحية تعاطيه مع الاستحقاقات على مدى اكثر من ثلاثة عقود، محبة واحترام رعيته كما احترام ومحبة ابناء الطوائف والمذاهب الاخرى . اذ ليس من قبيل الصدفة ان يشاهد في بكركي مواطنون من غير المسيحيين الموارنة يشكون للبطريرك صفير المظالم اللاحقة بهم، او ان يسمع الناس البطريرك صفير في عظاته مناشدا المسؤولين رفع هذه المظالم وتلبية حاجات الناس بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية او المناطقية.
من دون شك، يعتبرالنقد والمساءلة من واجبات الاعلام والصحافة. لكن الكلام الجارح والمسيء لا سيما بحق رجال الدين وفي مقدمهم البطريريك صفير هو سلوك مسيء ومشين بحق الصحافة وحق التعبير، قبل ان يكون مسيئا بحق البطريرك صفير او المرجعيات الدينية الاخرى. والأولى باشهار "الحرم" قبل الكنيسة ورجال الدين، هم اهل الصحافة و الاعلام الذين تقع عليهم مسؤولية حماية حق التعبير ومنابر الاعلام من موبقات الدخلاء على الصحافة والمعتدين على سمعتها واخلاقياتها.
ذات مرة، علق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على الاعلام في لبنان بقوله" في لبنان الكثير من حرية الصحافة والقليل من الصحافة الحرة". والخشية اليوم، امام ما يطالعنا به بعض الاعلام والصحافة من مشاهد ونصوص مقززة لا تكترث بمواثيق ولا تلتزم بمبادئ ولا تقيم ادنى اعتبار للمقامات الدينية والمرجعيات الوطنية، الخشية هي ان نكون قد اصبحنا امام مقولة جديدة " في لبنان الكثير من العبث الصحافي والقليل من الاخلاق الصحافية"!